هذا حث مِن الله لِعِبَادِهِ عَلَى الإِنْفَاقِ فِي طُرُقِ الْخَيْرَاتِ، فَقَالَ ﴿َلَنْ تَنَالُوا﴾َ أَيْ: تُدْرِكُوا وَتَبْلُغُوا الْبِرَّ الَّذِي هُوَ كُلُّ خَيْرٍ مِنْ أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ وَأَنْوَاعِ الْمُثَوِّبَاتِ الْمُوَصِلِ لِصَاحِبِهِ إِلَى الْجَنَّةِ، ﴿ُحَتَّى تَنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ أَيْ: مِنْ أَمْوَالِكُمْ النَّفِيسَةِ الَّتِي تُحِبُّهَا نُفُوسُكُمْ، فَإِنَّكُمْ إِذَا قَدَّمْتُمْ مَحَبَّةُ اللَّهِ عَلَى مَحَبَّةِ الْأَمْوَالِ فَبِذَلْتُمُوهَا فِي مَرْضَاتِهِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى إِيمَانِكُمْ الصَّادِقِ وَبِرّ قُلُوبُكُمْ وَيَقِينُ تَقْوَّاكُمْ، فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ إنْفَاقُ نَفَائِسِ الْأَمْوَالِ، وَالْإِنْفَاقِ فِي حَالِ حَاجَةِ الْمُنْفَقِ إلَى مَا أَنْفَقَهُ، وَالْإِنْفَاقُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ، وَدَلَّتْ الْآيَةُ أَنَّ الْعَبْدَ بِحَسَبِ إنْفَاقِهِ لِلْمَحْبُوبَاتِ يَكُونُ بِرْهَ، وَأَنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ بَرِّهِ بِحَسَبِ مَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمَّا كَانَ الْإِنْفَاقُ عَلَى أَيِّ: وَجْهٍ كَانَ مُثَابًا عَلَيْهِ الْعَبْدُ، سَوَاءٌ كَانَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، مَحْبُوبًا لِلنَّفْسِ أَمْ لَا وَكَانَ قَوْلُهُ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تَنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ مِمَّا يُوهِمُ أَنَّ إنْفَاقَ غَيْرِ هَذَا الْمُقَيَّدِ غَيْرُ نَافِعٍ، احْتَرَزَ تَعَالَى عَنْ هَذَا الْوَهْمِ بِقَوْلِهِ ﴿َوْمَا تَنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ فَلَا يُضَيِّقُ عَلَيْكُمْ، بَلْ يُثِيبُكُمْ عَلَيْهِ عَلَى حَسَبِ نِيَّاتِكُمْ وَنَفْعِهِ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout