هذا من باب الِاسْتِبْعَادِ، أَيْ: مِنَ الأَمْرِ الْبَعِيدِ أَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ قَوْمًا اخْتَارُوا الْكُفْرَ وَالضَّلَاَلَ بَعْدَمَا آمَنُوا وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَالْبَرَاهِينَ الْقَاطِعَاتِ ﴿وَاَللَّهِ لَاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ فَهَؤُلَاءِ ظُلَمُوا وَتَرَكُوا الْحَقَّ بَعْدَمَا عَرَفُوهُ، وَاتَّبَعُوا الْبَاطِلَ مَعَ عِلْمِهِمْ بِبُطْلَانِهِ ظُلْمًا وَبَغْيًّا وَاتِّبَاعًا لِأَهْوَائِهِمْ، فَهَؤُلَاءِ لَا يُوَفِّقُونَ لِلْهِدَايَةِ، لِأَنَّ الَّذِي يُرْجَى أَنْ يَهْتَدِيَ هُوَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ الْحَقَّ وَهُوَ حَرِيصٌ عَلَى التِمَاسِهِ، فَهَذَا بِالْحُرِيِّ أَنْ يُيْسِّرَ اللَّهُ لَهُ أَسْبَابُ الْهِدَايَةِ وَيَصُونَهُ مِنْ أَسْبَابِ الْغِوَايَةِ.
ثم أَخْبَرَ عَنْ عُقُوبَةَ هَؤُلاءِ الْمُعَانِدِينَ الظَّالِمِينَ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ، فَقَالَ ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ أَيْ: لَا يُفْتِرُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ سَاعَةً وَلَا لَحْظَةً، لَا بِإِزَالَتِهِ أَوْ إِزَالَةِ بَعْضِ شِدَّتِهِ، ﴿َوْلاَ هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ أَيْ: يَمْهِلُونَ، لِأَنَّ زَمَنَ الْإِمْهَالِ قَدْ مَضَى، وَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَعُمْرُهُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكُّرَ، فَلَوْ كَانَ فِيهِمْ خَيْرٌ لِوَجَدٍ، وَلَوْ رَدُّوا لِعَادُوا لِمَا نَهُوْا عَنْهُ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout