﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَلا تُؤْمِنُوا إِِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ .
﴿يا أَهل الكِتَابِ لَمْ تَكْفِرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أَيْ: مَا الَّذِي دَعَاكُمْ إِلَى الْكُفْرِ بِآيَاتِ اللَّهِ مَعَ عِلْمِكُمْ بِأَنَّ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بَاطِل، وَأَنَّ مَا جَاءَكُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَاَ تَشْكُونَ فِيهِ، بَلْ تَشْهَدُونَ بِهِ وَيَسُرُّ بِهِ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ فِي بَعْضِ الأَوْقَاتِ، فَهَذَا نَهْيُهُمْ عَنْ ضَلاَلِهِم.
ثم وَبَخَهُمْ عَلَى إِضْلَاَلِهِمْ الْخُلْقَ، فَقَالَ ﴿َيَا أَهْلُ الْكِتَابِ لَمْ تُلْبَسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فَوَبِخَهُمْ عَلَى لُبْسِ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ وَعَلَى كِتْمَانِ الْحَقِّ، لِأَنَّهُمْ بِهَذَيْنِ الأَمْرَيْنِ يَضُلُّونَ مَنْ انْتَسَبَ إِلَيْهِمْ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ إِذَا لَبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ فَلَمْ يُمَيِّزُوا بَيْنَهُمَا، بَلْ أَبْقُوا الْأَمْرَ مُبْهَمًا وَكَتُمُوا الْحَقَّ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِمْ إِظْهَارُهُ، تَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ خَفَاءِ الْحَقِّ وَظُهُورِ الْبَاطِلِ مَا تَرَتَّبَ، وَلَمْ يَهْتَدْ الْعَوَامُّ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَقَّ لِمَعْرِفَتِهِ حَتَّى يُؤَثِّرُوهُ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَظْهِرُوا لِلنَّاسِ الْحَقَّ وَيَعْلِّنُوا بِهِ، وَيُمَيِّزُوا الْحَقَّ مِنْ الْبَاطِلِ، وَيَظْهَرُوا الْخَبِيثَ مِنَ الطِّيِّبِ، وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَالْعَقَائِدِ الصَّحِيحَةِ مِنْ الْعَقَائِدِ الْفَاسِدَةِ، لِيَهْتَدِيَ الْمُهْتَدُونَ ⦗١٣٥⦘ وَيَرْجِعُ الضَّالُّونُ وَتَقُومُ الْحُجَّةُ عَلَى الْمُعَانِدِينَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لِتَبَيُّنَنَّهِ لِلنَّاسِ وَلَاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ .
ثم أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ مَا هَمْتُ بِهِ هَذِهِ الطَّائِفَةُ الْخَبِيثَةُ، وَإِرَادَةُ الْمُكْرِ بِالْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنُوا بِاَلَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفَرُوا آخِرَهُ﴾ أَيْ: ادْخُلُوا فِي دِينِهِمْ عَلَى وَجْهِ الْمُكْرِ وَالْكَيْدِ أَوَّلَ النَّهَارِ، فَإِذَا كَانَ آخِرُ النَّهَارِ فَاخْرُجُوا مِنْهُ ﴿ِلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ عَنْ دِينِهِمْ، فَيَقُولُونَ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَمَا خَرَجَ مِنْهُ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْكِتَابِ، هَذَا الَّذِي أَرَادُوهُ عَجَبًا بِأَنْفُهْسِمَ وَظَنًّا أَنَّ النَّاسَ سَيَحْسِنُونَ ظَنَّهُمْ بِهِمْ وَيَتَابَعُونَهُمْ عَلَى مَا يَقُولُونَهُ وَيَفْعَلُونَهُ، وَلَكِنْ يَأْبَى اللَّهُ إِلَّاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ.
﴿و﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ﴿لا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دَيْنَكُمْ﴾ أَيْ: لَاَ تُثِقُوا وَلَاَ تَطْمَئِنُوا وَلَا تَصَدَّقُوا إِلَّاَّ مَنْ تَبِعَ دِيْنَكُمْ، وَاكْتُمُوا (١) أَمْرُكُم، فَإِنَّكُمْ إِذَا أَخْبَرْتُمْ غَيْرَكُمْ وَغَيْرَ مَنْ هُوَ عَلَى دِينِكُمْ حَصَلَ لَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ مَا حَصَلَ لَكُمْ فَصَارُوا مِثْلَكُمْ، أَوْ حَاجُوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ وَشَهِدُوا عَلَيْكُمْ أَنَّهَا قَامَتْ عَلَيْكُمْ الْحُجَّةُ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْهُدَى فَلَمْ تَتَّبِعُوهُ، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ جَعَلُوا عَدَمَ إخْبَارِ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا مَعَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ قَاطِعًا عَنْهُمْ الْعِلْمَ، لِأَنَّ الْعِلْمَ بِزَعْمِهِمْ لَا يَكُونُ إلَّا عِنْدَهُمْ وَمُوجِبًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ ﴿الْهُدَى هُدَى اللَّهُ﴾َّ فَمَادَّةُ الْهُدَى مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِكُلِّ مَنْ اهْتَدَى، فَإِنَّ الْهُدَى إمَّا عَلِمَ الْحَقَّ، أَوْ إيثَارَةً، وَلَا عِلْمَ إِلَّا مَا جَاءَتْ بِهِ رُسُلُ اللَّهِ، وَلَا مُوَفِّقَ إلَّا مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ لَمْ يُؤْتُوْا مِنْ الْعِلْمِ إلَّا قَلِيلًا وَأَمَّا التَّوْفِيقُ فَقَدْ انْقَطَعَ حَظُّهُمْ مِنْهُ لِخُبَثِ نِيَّاتِهِمْ وَسُوءِ مَقَاصِدِهِمْ، وَأَمَّا هَذِهِ الْأَمَةُ فَقَدْ حَصَلَ لَهُمْ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ مِنْ هِدَايَةِ اللَّهِ مِنْ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ مَعَ الْعَمَلِ بِذَلِكَ مَا فَاقُوا بِهِ وَبَرِزُوا عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، فَكَانُوا هُمْ الْهُدَاةَ الَّذِينَ يَهْدُونَ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَهَذَا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْهَا وَإِحْسَانَهُ الْعَظِيمَ، فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى ﴿قُلْ إنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ِ أَيْ: اللَّهُ هُوَ الَّذِي يُحْسُنُ عَلَى عِبَادِهِ بِأَنْوَاعِ الْإِحْسَانِ ﴿ُيُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءَ﴾ مِمَّنْ أَتَى بِأَسْبَابِهِ ﴿وَاَللّهِ وَاسِعَ﴾ الْفَضْلَ كَثِيرَ الْإِحْسَانِ ﴿عَلِيمَ﴾ بِمَنْ يَصْلُحُ لِلْإِحْسَانِ فَيُعْطِيهِ، وَمَنْ لَا يَسْتَحِقُّهُ فَيَحَرُمُهُ إيَّاهُ.
﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءَ﴾ أَيْ: بِرَحْمَتِهِ الْمُطْلَّقَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي الدُّنْيَا مُتَّصِلَةً بِالْآخِرَةِ وَهِيَ نِعْمَةُ الدِّينِ وَمُتَمَمَاتِهِ ﴿وَاَللّهِ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ الَّذِي لَا يَصِفُهُ الْوَاصِفُونَ وَلَا يَخْطُرُ بِقَلْبِ بِشْرٍ، بَلْ وَصَلَ فَضْلُهُ وَإِحْسَانُهُ إلَى مَا وَصَلَ إلَيْهِ عِلْمَهُ، رَبَّنَا وَسَعَتْ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعُلْمَا.
1 (١) المراد - والله أعلم -: واكتموا أمركم عن غير من تبع دينكم.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout