﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ * إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ .
وقالوا: ﴿آمَنَا بِاَللَّهِ﴾ِ ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدَيْنِ﴾ أَيْ: الشَّهَادَةُ النَّافِعَةَ، وَهِيَ الشَّهَادَةُ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ وَتَصْدِيقِ رَسُولِهِ مَعَ الْقِيَامِ بِذَلِكَ، فَلَمَّا قَامُوا مَعَ عِيسَى بِنَصْرِ دِينِ اللَّهِ وَإِقَامَةِ شَرْعِهِ آمَنَتْ طَائِفَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَّرْتُ طَائِفَةً، فَاقْتَتَلَتْ الطَّائِفَتَانِ فَأَيَّدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِنَصْرِهِ عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ، فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى هُنَا ﴿وَمَكَرُوا﴾ أَيْ: الْكُفَّارُ بِإِرَادَةِ قَتْلِ نَبِيّ اللَّهِ وَإِطْفَاءِ نُورِهِ ﴿وَمَكْرَ اللَّهُ﴾ُ بِهِمْ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى مُكْرِهِمٍ ﴿وَاَللّهِ خَيْرَ الْمَاكِرِينَ﴾ رَدَّ اللَّهِ كَيَدِهِمْ فِي نُحُورِهِمَ، فَانْقَلَبُوا خَاسِرِينَ.
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافَعَكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرَكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَرَفَعَ اللّهُ عَبْدَهُ وَرَسُولُهُ عِيسَى إِلَيْهِ، وَأُلْقِيَ شِبْهَهُ عَلَى غَيْرِهِ، فَأَخَذُوا مِنْ أُلْقِيَ شِبْهِهُ عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وَصَلْبُوهُ، وَبَاءُوا بِالإِثْمِ الْعَظِيمِ بِنِيَّتِهِمْ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ اللّهُ ﴿َوْمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شِبّهَ لَهُمْ﴾ وَفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى عُلُوِّ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتِوَائِهِ عَلَى عُرْشِهِ حَقِيقَةً، كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ النُّصُوصِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالْأَحَادِيثُ النّبَوِيَّةِ الَّتِي تَلَقَّاهَا أَهْلُ السُّنَةِ بِالْقَبُولِ وَالإِيمَانِ وَالتَّسْلِيمِ، وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا قَوِيًّا قَاهِرًا، وَمَنْ عِزَّتِهُ أَنّ كَفّ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ عَزْمِهِمْ الْجَازِمِ وَعَدَمِ الْمَانِعِ لَهُمْ عَنْ قَتْلِ عِيسَى عَلَيْهِ السّلامُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنَّ هَذَا إِلا سَحْرَ مُبَيَّنٌ﴾ حَكِيمٌ يَضَعُ الْأَشْيَاءَ مَوَاضِعَهَا، وَلَهُ أَعْظَمُ حِكْمَةٌ فِي إلْقَاءِ الشَّبَهِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَوَقَعُوا فِي الشَّبَهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلِمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَا﴾ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وَتَقَدَّمَ أَنَّ اللَّهَ أَيْدَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ عَلَى الْكَافِرِينَ، ثُمَّ إِنَّ النَّصَارَى الْمُنْتَسِبِينَ لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَزَالُوا قَاهِرَيْنَ لِلْيَهُودِ لِكَوْنِ النَّصَارَى أَقْرَبُ إِلَى اتِّبَاعِ عِيسَى مِنَ الْيَهُودِ، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ نَبِيّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ هُمْ الْمُتَّبِعِّينَ لِعِيسَى حَقِيقَةً، فَأَيّدُهُمُ اللَّهُ وَنَصَرُهُمْ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَسَائِرِ الْكُفَّارِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ فِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ إِدَالَةُ الْكُفَّارِ مِنَ النَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، حِكْمَةٌ مِنَ اللَّهِ وَعُقُوبَةٍ عَلَى تَرْكِهِمْ لِاتِّبَاعِ الرَّسُولِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿ثُمّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أَيْ: مَصِيرُ الْخَلَائِقِ كُلّهَا ﴿فَأَحْكُمْ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ كُلٌّ يَدَّعِي أَنَّ الْحَقَّ مَعَهُ وَأَنَّهُ الْمُصِيبُ وَغَيْرُهُ مُخْطِئٌ، وَهَذَا مُجَرَّدُ دَعَاوَى تَحْتَاجُ إِلَى بُرْهَانَ.
ثُم أَخْبَرَ عَنْ حُكْمِهِ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَالْعَدْلِ، فَقَالَ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ: بِاَللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرُسْلِهِ ﴿فَأَعْذَبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ أَمَّا عَذَابُ الدُّنْيَا، فَهُوَ مَا أَصَابَهُمُ اللّهُ بِهِ مِنَ الْقَوَارِعِ وَالْعُقُوبَاتِ الْمُشَاهَدَةِ وَالْقَتْلِ وَالذّلّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ نُمُوذِجٌ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ، وَأَمَّا عَذَابُ الآخِرَةِ فَهُوَ الطَّامَّةُ الْكُبْرَىُّ وَالْمُصِيبَةُ الْعُظْمَىُّ، أَلا وَهُوَ عَذَابُ النَّارِ وَغَضَبِ الْجَبَّارِ وَحِرْمَانِهِمْ ثَوَابُ الْأَبْرَارِ ﴿َوْمًا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينِ﴾ يَنْصَرُونَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، لَاَ مِنْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ شُفَعَاءُ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ، وَلاَ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءُ مِنْ دُونِهِ، وَلَاَ أَصْدِقَائِهِمْ وَأَقْرِبَائِهِمْ، وَلاَ أَنْفُسَهُمْ يَنْصَرُونَ.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكَتَبِهِ وَرُسْلِهِ وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِالإِيمَانِ بِهِ ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الْقَلْبِيَّةَ وَالْقَوْلِيَّةَ وَالْبَدَنِيَّةَ الَّتِي جَاءَتْ بِشَرْعِهَا الْمُرْسِلُونَ، وَقَصَدُوا بِهَا رِضَا رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿فَيُوفَّيْهِمْ أُجُورُهُمْ﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا ثَوَابٌ لِأَعْمَالِهِمْ مِنْ الْإِكْرَامِ وَالْإِعْزَازِ وَالنَّصْرِ وَالْحَيَاةِ الطَّيِّبَةُ، وَإِنَّمَا تَوْفِيَةُ الْأُجُورِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَجِدُونَ مَا قَدَّمُوهُ مِنْ الْخَيْرَاتِ مُحْضَرًا مُوَفِّرًا، فَيُعْطِي مِنْهُمْ كُلُّ عَامِلٍ أَجْرَ عَمَلِهِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَكَرْمِهُ ﴿وَاَللَّهِ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ بَلْ يَبْغُضُهُمْ وَيَحِلُّ عَلَيْهِمْ سَخْطُهُ وَعَذَابُهُ.
﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذَّكَرِ الْحَكِيمِ﴾ِ وَهَذَا مِنَّةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى رَسُولِهِ ⦗١٣٣⦘ محَمد صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى أَمَتِهِ، حَيْثُ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ هَذَا الذَّكَرُ الْحَكِيمَ، الْمُحْكَّمُ الْمُتَّقِنَ، الْمُفَصِّلُ لِلْأَحْكَامِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَإِخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ الْأَقْدَمِينَ، وَمَا أَجْرَى اللَّهُ عَلَى أَيْدِيهِمْ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ، فَهَذَا الْقُرْآنُ يَقُصُّ عَلَيْنَا كُلُّ مَا يَنْفَعُنَا مِنَ الْأَخْبَارِ وَالْأَحْكَامِ، فَيَحْصُلُ فِيهَا الْعِلْمُ وَالْعِبْرَةُ وَتَثْبِيتُ الْفُؤَادِ مَا هُوَ مِنْ أَعْظَمِ رَحْمَةَ رَبِّ الْعِبَادِ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى:
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout