تَقَرُّبُ اللَّهُ مِنْهُ أَكْثَرُ.
"الْقرِيب، الْمجِيب" أَيْ: هُوَ تَعَالَى الْقَرِيبَ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ، وَقَرَّبَهُ تَعَالَى نَوْعَانِ: قُرْبَ عَامٍّ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ، بِعِلْمِهِ، وَخِبَرَتِهِ، وَمُرَاقَبَتِهِ، وَمُشَاهَدَتِهِ، وَإِحَاطَتِهِ. وَقُرِّبَ خَاصٍّ، مِنْ عَابِدِيْهِ، وَسَائِلَيْهِ، وَمُحَبِّيهِ، وَهُوَ قُرْبٌ لَا تُدْرِكُ لَهُ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا تَعْلَمُ آثَارُهُ، مِنْ لَطْفِهِ بِعَبْدِهِ، وَعِنَايَتِهِ بِهِ، وَتَوْفِيقُهُ وَتَسْدِيدُهُ. وَمِنْ آثَارِهِ الْإِجَابَةُ لِلدَّاعِينَ، وَالْإِنَابَةِ (١) لِلْعَابِدِينَ، فَهُوَ الْمُجِيبُ إجَابَةُ عَامَّةٌ لِلدَّاعَينِ مَهْمَا كَانُوا، وَأَيْنَ كَانُوا، وَعَلَى أَيِّ حَالٍ كَانُوا كَمَا وَعَدَهُمْ بِهَذَا الْوَعْدِ الْمُطْلَقِ، وَهُوَ الْمُجِيبُ إجَابَةٌ خَاصَّةً لِلْمُسْتَجِيبِينَ لَهُ الْمِنْقَادِينَ لِشَرْعِهِ، وَهُوَ الْمُجِيبُ أَيْضًا لِلْمُضْطَرِينَ، وَمَنْ انْقَطَعَ رِجَاؤُهُمْ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ وَقَوِيَ تَعَلُّقِهِمْ بِهِ طَمْعًا وَرَجَاءً وَخَوْفًا.
"الْكَافِي" عِبَادُهُ جَمِيعَ مَا يَحْتَاجُونَ وَيَضْطِرُونَ إِلَيْهِ، الْكَافِي كِفَايَةً خَاصَّةً مِنْ آمَنَ بِهِ، وَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ، وَاسْتَمَدَّ مِنْهُ حَوَائِجُ دَيْنِهِ وَدُنْيَاهُ.
"الأول، والآخَر، وَالظَّاهِرُ، وَالْبَاطِنُ".
قدْ فَسَّرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَفْسِيرًا جَامِعًا وَاضِحًا، فَقَالَ: "أَنْتِ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءً، وَأَنْتَ الْآخَرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءً، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءً، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءً".
"الواسِع" الصّفاتِ والنّعْوتُ وَمُتَعَلِّقَاتُهَا، بِحَيْثُ لَاَ يُحْصِي أَحَدٌ ثَنَاءً عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ. وَاسِعُ الْعَظَمَةِ وَالسُّلْطَانِ وَالْمِلْكَ، وَاسِعُ الْفَضْلِ وَالْإِحْسَانَ، عَظِيمُ الْجُودِ وَالْكَرَمِ.
"الهادِي، الرشيد" أَي: الَّذِي يَهْدِي وَيُرْشِدُ عِبَادَهُ إِلَى جَمِيعِ الْمَنَافِعِ، وَإِلَى دَفْعِ الْمُضَارِّ، وَيُعْلِّمُهُمْ مَا لَا يَعْلَمُونَ، وَيُهْدِيهِمْ لِهِدَايَةِ التَّوْفِيقِ وَالتَّسْدِيدِ، وَيَلْهِمُهُمْ التَّقْوَى، وَيُجْعَلُ قُلُوبُهُمْ مَنِيبَةً إِلَيْهِ مُنْقَادَةً لِأَمْرِهِ.
وَلِلرَّشِيدِ مَعْنًى بِمَعْنَى الْحَكِيمِ، فَهُوَ الرَّشِيدُ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَشَرَائِعِهِ كُلِّهَا خَيْرٌ وَرُشْدٍ وَحِكْمَةً، وَمَخْلُوقَاتِهُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الرُّشْدِ.
"الحق" فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، فَهُوَ وَاجِبُ الْوُجُودِ، كَامِلُ الصِّفَاتِ وَالنُّعَوتِ، وُجُودُهُ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ، وَلَاَ وُجُودَ لِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلَّا بِهِ. فَهُوَ الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يُزَالُ بِالْجَلَالِ وَالْجَمَالِ وَالْكَمَالِ مَوْصُوفًا، وَلَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ بِالْإِحْسَانِ مَعْرُوفًا.
فَقَوْلُهُ حَقًّ، وَفَعَلَهُ حَقًّ، وَلَقَاؤُهُ حَقٌّ، وَرُسُلَهُ حَقًّ، وَكَتَبَهُ حَقًّ، وَدِيْنُهُ هُوَ الْحَقُّ، وَعِبَادَتُهُ وَحْدَهُ لَاَ شَرِيكَ لَهُ هِيَ الْحَقُّ، وَكُلُّ شَيْءٍ يُنْسَبُ إِلَيْهِ فَهُوَ حَقٌّ. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾
﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ﴾ ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾
والحَمْدُ لله الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتِ. وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينَ.
قَالَ ذَلِكَ وَكَتَبَهُ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ إِلَى رَبِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَاصِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَاصِرٍ السَّعْدِيِّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ، وَمَشَايِخِهِ، وَأَحْبَابِهُ، وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ آمِينَ.
1 (١) كذا في الأصل ولعلها: (الإثابة) والله أعلم.'
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout