وَالرِّزْقُ الْحَلَالُ الَّذِي يُعَيَّنُ عَلَى صَلَاحِ الدَّيْنِ، وَهَذَا خَاصٌّ بِالْمُؤْمِنِينَ، عَلَى مَرَاتِبِهِمْ مِنْهُ، بِحَسَبِ مَا تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ وَرَحْمَتُهُ.
"الْحكم، الْعدل" الَّذِي يُحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِعَدْلِهِ وَقِسْطِهِ. فَلَا يَظْلَمُ مِثْقَالُ ذِرَّةٍ، وَلَا يُحْمَِّّل أَحَدًا وِزْرٌ أَحَدٍ، وَلَا يُجَازِي الْعَبْدُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَنْبِهِ وَيُؤَدِّي الْحُقُوقُ إِلَى أَهْلِهَا، فَلَا يَدَعُ صَاحِبُ حَقٍّ إِلَّا أَوْصَلَ إلَيْهِ حَقَّهُ، وَهُوَ الْعَدْلُ فِي تَدْبِيرِهِ وَتَقْدِيرُهِ ﴿إِِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
"جامع الناس" ليَوْم لاَ رَيْبَ فِيهِ، وَجَامِعُ أَعْمَالِهِمْ وَأَرْزَاقِهُمْ، فَلَا يُتْرَكُ مِنْهَا صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا، وَجَامَعَ مَا تَفَرَّقَ وَاسْتَحَالَ مِنَ الأَمْوَاتِ الْأَوَّلِينِ وَالآخَرِينَ، بِكَمَالِ قُدْرَتِهِ، وَسَعَةٌ عِلْمَهِ.
"الحي القيوم" كَامِلُ الْحَيَاةِ وَالْقَائِمِ بِنَفْسِهِ. الْقَيُومُ لِأَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، الْقَائِمِ بِتَدْبِيرِهِمْ وَأَرْزَاقِهِمْ، وَجَمِيعِ أَحْوَالِهِمْ، فـ "الْحَيَ": الْجَامِعُ لصِفَاتِ الذَّاتِ، وَ"الْقُيُومِ" الْجَامِعُ لِصِفَاتِ الْأَفْعَالِ.
"النُّور" نور السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، الَّذِي نَوََّر قُلُوبَ الْعَارِفِينَ بِمَعْرِفَتِهِ وَالإِيمَانِ بِهِ، وَنَوََّر أَفْئِدْتُهُمْ بِهِدَايَتِهِ، وَهُوَ الَّذِي أَنَارَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْأَنْوَارِ الَّتِي وَضَعَهَا، وَحِجَابُهُ النُّورَ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سَبَحَاتٍ وَجْهَهُ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ.
"بِدَيعِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ" أَيْ: خَالِقُهُمَا وَمَبْدِعُهُمَا، فِي غَايَةِ مَا يَكُونُ مِنَ الْحَسَنِ وَالْخَلْقِ الْبَدِيعِ، وَالنِّظَامُ الْعَجِيبُ الْمُحْكِّمُ.
"القَابِض الباسِط" يَقْبِضُ الأَرْزَاقَ وَالأَرْوَاحِ، وَيَبْسِطُ الْأَرْزَاقُ وَالْقُلُوبَ، وَذَلِكَ تَبَعٌ لِحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ.
"المُعطِي، المانِع"، لا مَانِعَ لَمَّا أَعْطَى، وَلَاَ مُعْطِي لِمَّا مَنَعَ، فَجَمِيعُ الْمَصَالِحِ وَالْمَنَافِعِ مِنْهُ تَطْلُبُ، وَإِلَيْهِ يَرْغَبُ فِيهَا، وَهُوَ الَّذِي يُعْطِيهَا لِمَنْ يَشَاءَ، وَيَمْنَعُهَا مَنْ يَشَاءُ بِحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ.
"الشهِيد" أي: الْمُطَّلِعُ عَلَى جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ. سَمِعَ جَمِيعَ الأَصْوَاتِ خَفَّيْهَا وَجَلِيْهَا، وَأَبْصَرُ جَمِيعَ الْمَوْجُودَاتِ دَقِيقَهَا وَجَلِيلُهَا صَغِيرُهَا وَكَبِيرُهَا، وَأَحَاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي شَهِدَ لِعِبَادِهِ وَعَلَى عِبَادِهِ بِمَا عَمِلُوهُ.
"الْمُبْدِئُ، الْمُعِيدُ" قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ابْتَدَأُ خَلْقَهُمْ لِيَبُلُوهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ثُمَّ يُعِيدُهُمْ لِيُجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسِنُوا بِالْحُسْنَى، وَيُجْزِي الْمَسِيئِينِ بِإِسَاءَتِهِمْ. وَكَذَلِكَ هُوَ الَّذِي يَبْدَأُ إيجَادُ الْمَخْلُوقَاتِ شَيْئًا فَشَيْئًا، ثُمَّ يُعِيدُهَا كُلُّ وَقْتَ.
"الْفِعال لمَا يُرِيدُ" وَهَذَا مِنْ كَمَالِ قُوَّتِهِ وَنُفُوذُ مَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتُهِ، أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ يُرِيدُهُ يَفْعَلُهُ بِلَا مَمَانِعٍ وَلَا مُعَارِضَ، وَلَيْسَ لَهُ ظَهِيرٌ وَلَاَ عُوَيْنَ، عَلَى أَيِّ أَمْرٍ يَكُونُ، بَلْ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا قَالَ لَهُ "كُنْ فَيَكُونُ". وَمَعَ أَنَّهُ الْفِعَالُ لِمَّا يُرِيدُ، فَإِرَادَتُهُ تَابِعَةً لِحِكْمَتِهِ وَحَمْدِهُ، فَهُوَ مَوْصُوفٌ بِكَمَالِ الْقُدْرَةِ، وَنُفُوذِ الْمَشِيئَةِ، وَمَوْصُوفٌ بِشُمُولِ الْحِكْمَةِ، لِكُلِّ مَا فَعَلَهُ وَيَفْعَلُهُ.
"الْغني، الْمُغْنِي" فَهُوَ الْغَنِيُّ بِذَاتِهِ، الَّذِي لَهُ الْغِنَى التَّامُّ الْمُطْلَقُ، مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ وَالِاعْتِبَارَاتِ لِكَمَالِهِ، وَكَمَالِ صِفَاتِهِ، فَلَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهَا نَقْصٌ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِلَّا غَنِيًّا، لِأَنَّ غِنَاهُ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ، كَمَا لَا يَكُونُ إِلَّا خَالِقًا، قَادِرًا، رَازِقًا، مُحْسِنًا، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى أَحَدٍ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، فَهُوَ الْغَنِيُّ، الَّذِي بِيَدِهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَخَزَائِنُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. الْمُغْنِي جَمِيعُ خَلْقِهِ غِنًى عَامًّا، وَالْمُغْنِي لِخَوَاصِّ خَلْقِهِ بِمَا أَفَاضَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مِنْ الْمَعَارِفِ الرُّبَانِيَّةِ وَالْحَقَائِقِ الْإِيمَانِيَّةُ.
"الحلِيم" الَّذِي يَدَرُّ عَلَى خَلْقِهِ النِّعَمُ الظَّاهِرَةَ وَالْبَاطِنَةُ، مَعَ مَعَاصِيهِمْ وَكَثْرَةِ زَلَاتِهِمْ، فَيَحْلِمُ عَنْ مُقَابَلَةِ الْعَاصِينَ بِعِصْيَانِهِمْ، وَيَسْتَعْتِبُهُمْ كَيْ يَتَوَبُوا، وَيُمْهِلُهُمْ كَيْ يَنِيبُوا.
"الشاكِر، الشكور" الَّذِي يُشْكِرُ الْقَلِيلَ مِنَ الْعَمَلِ، وَيَغْفِرُ الْكَثِيرُ مِنَ الزَّلَلِ. وَيُضَاعِفُ لِلْمُخْلِّصِينَ أَعْمَالُهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَيُشْكِرُ الشَّاكِرِينَ، وَيَذْكُرُ مِنْ ذِكْرِهِ، وَمَنْ تَقَرَّبَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ،
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout