فَهُوَ تَابِعٌ لِلْخَبَرِ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْحُكْمُ إلَّا بِهِ، فَهُوَ تَابِعٌ لِلْحُكْمِ، وَأَنَّ الْآيَاتِ الَّتِي يُفْهَمُ مِنْهَا التَّعَارُضُ وَالتَّنَاقُضُ، لَيْسَ فِيهَا تَنَاقُضٌ وَلَا تَعَارُضَ، بَلْ يَجِبُ حَمْلُ كُلٍّ مِنْهَا عَلَى الْحَالَةِ الْمُنَاسَبَةِ اللَّائِقَةِ بِهَا. وَأَنَّ حَذْفَ الْمُتَعَلِّقَاتِ، مِنْ مَفْعُولَاتٍ وَغَيْرِهَا، يَدُلُّ عَلَى تَعْمِيمِ الْمَعْنَى، لِأَنَّ هَذَا مِنْ أَعْظَمَ فَوَائِدُ الْحَذْفِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَذْفُ مَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ اللَّفْظِيُّ، وَالْقَرِينَةُ الْحَالِيَةُ، كَمَا أَنَّ الْأَحْكَامَ الْمُقَيَّدَةَ بِشُرُوطٍ أَوْ صِفَاتٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْقُيُودَ، لَا بُدَّ مِنْهَا فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ.
إذَا أَمَرَ اللَّهُ بِشَيْءٍ كَانَ نَاهِيًا عَنْ ضِدِّهِ، وَإِذَا نَهَى عَنْ شَيْءٍ كَانَ آمِرًا بِضِدِّهِ، وَإِذَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ بِنَفْيِ شَيْءٍ مِنْ النَّقَائِصِ؛ كَانَ إثْبَاتًا لِلْكَمَالِ الْمُنَافِي لِذَلِكَ النَّقْصَ. وَكَذَلِكَ إذَا أَثْنَى عَلَى رُسْلِهِ وَأَوْلِيَائِهِ وَنَزْهِهِمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْ النَّقَائِصِ؛ فَهُوَ مَدْحٌ لَهُمْ بِمَا يُضَادُ ذَلِكَ النَّقْصَ، وَمِثْلُهُ نَفْيُ النَّقَائِصِ عَنْ دَارِ النَّعِيمِ، يَدُلُّ عَلَى إثْبَاتِ ضِدِّ ذَلِكَ.
وَمِنْ الْكُلِيَّاتِ؛ أَنَّهُ إذَا وَضَحَ الْحَقُّ وَظَهَرَ ظُهُورًا جَلْيًا، لَمْ يَبْقَ لِلْمُجَادَلَاتِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْمُعَارَضَاتِ الْعَمَلِيَّةِ مَحَلًّ، بَلْ تَبْطُلُ الْمُعَارَضَاتُ، وَتَضْمَحِلُ الْمُجَادَلَاتِ.
مَا نَفَاهُ الْقُرْآنُ؛ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَوْجُودٍ، أَوْ أَنَّهُ مَوْجُودٌ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ وَلَا نَافِعَ.
الْمَوْهُومُ لَا يَدْفَعُ الْمَعْلُومَ، وَالْمَجْهُولُ لَا يُعَارِضُ الْمُحَقَّقَ، وَمَا بَعْدَ الْحَقِّ إلَّا الضَّلَالَ.
ذِكَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ الْإِيمَانُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ رُتَّبَ عَلَيْهِمَا مِنْ الْجَزَاءِ الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ وَالْآثَارِ الْحَمِيدَةِ شَيْئًا كَثِيرًا، فَالْإِيمَانُ هُوَ: التَّصْدِيقُ الْجَازِمُ، بِمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِالتَّصْدِيقِ بِهِ، الْمُتَضَمِّنُ لِأَعْمَالِ الْجَوَارِحِ.
وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ هُوَ: الْقِيَامُ بِحُقُوقِ اللَّهِ، وَحُقُوقِ عِبَادِهِ، وَكَذَلِكَ أَمْرَ اللَّهُ بِالتَّقْوَى، وَمَدْحِ الْمُتَّقِينَ، وَرَتَّبَ عَلَى التَّقْوَى حُصُولُ الْخَيْرَاتِ، وَزَوَالِ الْمَكْرُوهَاتِ. وَالتَّقْوَى الْكَامِلَةُ: امْتِثَالُ أَمْرِ اللَّهِ وَأَمَرَ رَسُولُهُ، وَاجْتِنَابِ نَهْيِهِمَا وَتَصْدِيقُ خَبَرِهِمَا.
وَإِذَا جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَ التَّقْوَى وَالْبِرِّ وَنَحْوِهِ، كَانَتْ التَّقْوَى اسْمًا لِتَوَقِّي جَمِيعِ الْمَعَاصِي، وَالْبِرِّ اسْمًا لِفِعْلِ الْخَيْرَاتِ، وَإِذَا أَفْرَدَ أَحَدُهُمَا، دَخَلَ فِيهِ الْآخَرَ.
وَذَكَرَ اللَّهُ الْهُدَى الْمَطْلُوبَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةً، وَأَثْنَى عَلَى الْمُهْتَدِي، وَأَخْبَرَ أَنَّ الْهُدَى بِيَدِهِ، وَأَمَرْنَا بِطَلَبِهِ مِنْهُ، وَبِالسَّعْيِ فِي كُلِّ سَبَبٍ يَحْصُلُ الْهُدَى، وَذَلِكَ شَامِلٌ لِهِدَايَةِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ.
فَالْمُهْتَدِي: مِنْ عُرَفِ الْحَقِّ، وَعَمِلَ بِهِ، وَضِدُّهُ الْغَيُّ وَالضَّلَالُ، فَمَنْ عَرَفَ الْحَقَّ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ فَهُوَ الْغَاوِي، وَمَنْ جَهِلَ الْحَقِّ فَهُوَ الضَّالُّ.
أَمْرُ اللَّهُ بِالْإِحْسَانِ، وَأَثْنَى عَلَى الْمُحْسِنِينَ، وَذَكَرَ ثَوَابَهُمْ الْمُتَنَوِّعُ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ. وَحَقِيقَةُ الْإِحْسَانِ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهُ كَأَنَّك تَرَاهَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، وَأَنْ تَبْذُلَ مَا تَسْتَطِيعُهُ مِنْ النَّفْعِ الْمَالِي وَالْبَدَنِيِّ وَالْقَوْلِيِّ إلَى الْمَخْلُوقِينَ.
وَأَمَرَ بِالْإِصْلَاحِ وَأَثْنَى عَلَى الْمُصْلِحِينَ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُضِيعُ ثَوَابَهُمْ وَأَجْرَهُمَ.
وَالْإِصْلَاحُ هُوَ: أَنْ تَسْعَى فِي إصْلَاحِ عَقَائِدِ النَّاسِ وَأَخْلَاقِهِمْ. وَجَمِيعِ أَحْوَالِهِمْ، بِحَيْثُ تَكُونُ عَلَى غَايَةِ مَا يُمْكِنُ مِنْ الصَّلَاحِ، وَأَيْضًا يَشْمَلُ إصْلَاحَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، وَالْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَإِصْلَاحُ الْأَفْرَادِ وَالْجَمَاعَاتِ، وَضِدُّ هَذَا الْفَسَادِ.
وَالْإِفْسَادِ، قَدْ نَهَى عَنْهُ، وَذَمِّ الْمُفْسِدِينَ، وَذَكَرَ عُقُوبَاتِهِمْ الْمُتَعَدِّدَةَ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَعْمَالُهُمْ الدِّينِيَّةَ وَالدُّنْيَوِيَّةَ.
أَثْنَى اللَّهُ عَلَى الْيَقِينِ، وَعَلَى الْمُوَقِّنِينَ، وَأَنَّهُمْ هُمْ الْمُنْتَفِعُونَ بِالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، وَالْآيَاتِ الْأَفْقِيَّةِ.
وَالْيَقِينُ أَخَصُّ مِنْ الْعِلْمِ، فَهُوَ: الْعِلْمُ الرَّاسِخُ، الْمُثْمِرُ لِلْعَمَلِ وَالطُّمَأْنِينَةِ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout