يقول تَعالى ذامًا لِمَنْ تَرَكَ حُقُوقَهُ وَحُقُوقُ عِبَادِهِ: ﴿أََرَأََيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ أيِّ: بِالْبَعْثِ وَالْجَزَّاءِ، فَلَاَ يُؤْمَنُ بِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ.
﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ أي: يَدْفَعُهُ بِعَنْفٍ وَشِدَّةٍ، وَلَاَ يَرْحَمُهُ لِقَسَاوَةِ قَلْبِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَرْجُو ثَوَابًًا، وَلَاَ يَخْشَى (١) عَقَابًا.
﴿وَلا يَحُضُّ﴾ غيره ﴿عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ ومَنْ بَاب أَوْلَى أَنَّهُ بِنَفْسِهِ لَاَ يُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، ﴿فََوََيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ أي: المُلتَزَمُونِ (٢) لإِقَامَةِ الصَّلاةِ، وَلَكِنَّهُمْ ﴿عََنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ أَيِّ: مُضَيِّعُونَ لَهَا، تَارِكُونَ لِوَقْتِهَا، مُفَوِّتُونَ لِأَرْكَانِهَا (٣) وَهَذَا لِعَدَمِ اهْتِمَامِهِمْ بِأَمْرِ اللَّهِ حَيْثُ ضَيَّعُوا الصَّلَاَةَ، الَّتِي هِيَ أَهَمُّ الطَّاعَاتِ وَأَفْضَلُ الْقُرْبَاتِ، وَالسَّهْوِ عَنِ الصَّلَاةِ، هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ الذَّمُّ وَاللَّوْمُ (٤) وَأَمَّا السَّهْوُ فِي الصَّلَاةِ، فَهَذَا يَقَعُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ، حَتَّى مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم.
وَلِهَذَا وَصْفَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ بِالرِّيَاءِ وَالْقِسْوَةِ وَعَدَمِ الرَّحْمَةِ، فَقَالَ: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ أَيُّ يَعْمَلُونَ الأَعْمَالُ لِأَجْلِ رِئَاءِ النَّاسِ.
﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ أَيِّ: يَمْنَعُونَ إِعْطَاءَ الشَّيْءِ، الَّذِي لَاَ يَضُرُّ إعْطَاؤُهُ عَلَى وَجْهِ الْعَارِيَّةِ، أَوْ الْهِبَةِ، كَالْإِنَاءِ، وَالدَّلْو، وَالْفَأْسِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِبَذْلِهَا وَالسَّمَاحَةِ بِهِ (٥) .
فهؤلاء -لشدَّةِ حَرْصَهُمْ- يَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ، فَكَيْفَ بِمَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ.
وَفِي هَذِهِ السُّورَةِ، الْحَثُّ عَلَى إِكْرَامَ (٦) اليتِيم، وَالْمَسَاكِينَ، وَالتَّحْضِيضُ عَلَى ذَلِكَ، وَمُرَاعَاةُ الصَّلَاةِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا، وَعَلَى الْإِخْلَاصِ [فِيهَا و] فِي جَمِيعِ الْأَعْمَالِ.
وَالْحَثِّ عَلَى [فِعْلِ الْمَعْرُوفِ وَ] بَذْلُ الْأَمْوَالِ الْخَفِيفَةُ، كَعَارِيَّةِ الْإِنَاءِ وَالدَّلْوِ وَالْكِتَابِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، لِأَنَّ اللَّهَ ذَمَّ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
تَّفْسِيرُ سُورَةَ الْكَوثَرِ
وَهِيَ مَكِيَةُ
1 (١) في ب: يخاف. (٢) كذا في ب، وفي أ: الذين ملتزمون. (٣) في ب: مخلون بأركانها. (٤) في ب: الذم والوعيد. (٥) في ب: ببذله والسماح به. (٦) في ب: إطعام.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout