﴿التيِّن﴾ هُو التِّينُ الْمَعْرُوفُ، وَكَذَلِكَ ﴿الزََّّيْتُونَ﴾ أَقْسِمُ بَهَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ، لِكَثْرَةِ مَنَافِعِ شَجَرِهِمَا وَثَمَرِهُمَا، وَلِأَنَّ سُلْطَانَهُمَا فِي أَرْضِ الشَّامِ، مَحَلُّ نُبُوَّةِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ أيِّ: طُورُ سِيْنَاءً، مَحَلُّ نُبُوَّةِ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم.
﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الأمِينِ﴾ وهي: مَكَّةَ الْمُكَرِمَةُ، مَحَلُّ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم. فَأَقْسَمَ تَعَالَى بِهَذِهِ الْمَوَاضِعِ الْمُقَدَّسَةِ، الَّتِي اخْتَارَهَا وَابْتَعَثَ مِنْهَا أَفْضَلُ النُّبَوَّاتِ (١) وَأَشْرَفُهَا.
وَالْمُقْسِمُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ أَيِّ: تَامَ الْخُلْقِ، مُتَنَاسِبُ الْأَعْضَاءِ، مُنْتَصِبَ الْقَامَةِ، لَمْ يَفْقِدْ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ ظَاهِرًٌا أَوْ بَاطِنًًا شَيْئًٍا، وَمَعَ هَذِهِ النِّعَمِ الْعَظِيمَةِ، الَّتِي يَنْبَغِي مِنْهُ الْقِيَامُ بِشُكْرِهَا، فَأَكْثَرُ الْخَلْقِ مُنْحَرِفُونَ عَنْ شُكْرِ الْمُنْعِمِ، مُشْتَغِلُونَ بِاَللَّهْوِ وَاللَّعِبِ، قَدْ رَضُوا لِأَنْفُسِهِمْ بِأَسَافِلِ الْأُمُورِ، وَسَفْسَافِ الْأَخْلَاقِ، فَرَدَّهُمُ اللَّهُ فِي أَسْفَلِ سَافِلِينَ، أَيْ: أَسْفَلُ النَّارِ، مَوْضِعُ الْعَصَاةِ الْمُتَمَرِّدِينَ عَلَى رَبِّهِمَ، إِلَّاَّ مِنْ مِنْ اللَّهِ عَلَيْهِ بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَالْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةُ الْعَالِيَةِ، ﴿فََلَهُمْ﴾ ⦗٩٣٠⦘ بذلك الْمَنَازِلُ الْعَالِيَةُ، و﴿أََجْرٌ غََيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أَيِّ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ، بَلْ لِذَاتٍ مُتَوَافِرَةٍ، وَأَفْرَاحٍ مُتَوَاتِرَةٍ، وَنَعَمْ مُتَكَاثِرَةً، فِي أَبَدٍ لَاَ يَزُولُ، وَنُعِيْمٌ لَاَ يُحَوِّلُ، أَكْلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا، ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ أَيِّ: أَيُّ شَيْءُ يُكَذِّبُكَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ بِيَوْمِ الْجَزَاءِ عَلَى الأَعْمَالِ، وَقَدْ رَأَيْتُ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ الْكَثِيرَةِ مَا بِهِ يَحْصُلُ لَكَ الْيَقِينُ، وَمَنْ نَعَمِهُ مَا يُوجِبُ عَلَيْكَ أَنْ لَا تُكَفِّرَ بِشَيْءٍ مِمَّا أَخْبَرَكَ بِهِ، ﴿أََلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ فَهَلْ تَقْتَضِي حِكْمَتُهُ أَنْ يَتْرُكَ الْخَلْقَ سَدَّى لَاَ يُؤْمَرُونَ وَلَاَ يَنْهَونَ، وَلَا يُثَابُونَ وَلَا يُعَاقِبُونَ؟
أُمَّ الَّذِي خَلَقَ الْإِنْسَانَ أَطْوَارًًا بَعْدَ أَطْوَارٍ، وَأَوْصَلَ إِلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ وَالْخَيْرِ وَالْبِرِّ مَا لَا يَحْصُونَهُ، وَرِبَاهُمُ التَّرْبِيَةُ الْحَسَنَةَ، لَا بُدَّ أَنْ يُعِيدَهُمْ إِلَى دَارٍ هِيَ مُسْتَقِرِّهُمْ وَغَايَتُهُمْ، الَّتِي إِلَيْهَا يَقْصِدُونَ، وَنَحْوَهَا يُؤْمَونَ. تَمَّتْ وَلِلَّهِ الْحَمْدَ.
تَفْسِيرُ سُورَةٌ اقْرَأَ
[وَهِي] مَكِيَّةُ
1 (١) في ب: أفضل الأنبياء وأشرفهم.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout