﴿لا يَصْلاهَا إِلا الأشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى * وَسَيُجَنَّبُهَا الأتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلا ابْتِغَاءَ ⦗٩٢٧⦘ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ .
﴿لا يَصْلاهَا إِلا الأشْقَى الَّذِي كَذَّبَ﴾ بالخبر ﴿وَتَوَلَّى﴾ عن الأمرِ.
﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ بأَنْ يَكُونَ قَصَدَهُ بِهِ تَزْكِيَةَ نَفْسِهِ، وَتَطْهِيرُهَا مِنْ الذُّنُوبِ وَالْعُيُوبِ (١)، قاصدًا بهِ وَجْهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ إِذَا تَضَمَّنَ الْإِنْفَاقُ الْمُسْتَحَبُّ تَرْكَ وَاجِبً، كَدَيْنٍ وَنَفَقَةٍ وَنَحْوِهِمَا، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، بَلْ تَكُونُ عَطِيَّتُهُ مَرْدُودَةً عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَزَكَّى بِفِعْلٍ مُسْتَحَبٍّ يَفُوِّتُ عَلَيْهِ الْوَاجِبُ.
﴿وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ أي: لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْخَلْقِ عَلَى هَذَا الْأَتْقَى نِعْمَةً تُجْزَى إِلَّا وَقَدْ كَافَأَهُ بِهَا، ⦗٩٢٨⦘ وَرُبَّمَا بَقِيَ لَهُ الْفَضْلُ وَالْمِنَّةُ عَلَى النَّاسِ، فَتَمَحَّضُ عَبْدًًا لِلَّهِ، لِأَنَّهُ رَقِيقُ إِحْسَانِهِ وَحْدَهُ، وَأَمَّا مَنْ بَقِيَ (٢) عَلَيْهِ نِعْمَةُ لِلنَّاسِ لَمْ يُجْزِهَا وَيُكَافِئُهَا، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَتْرُكَ لِلنَّاسِ، وَيَفْعَلُ لَهُمْ مَا يَنْقُصُ [إخْلَاصُهُ] .
وَهَذِهِ الآيَةُ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَنَاوِلَةً لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بَلْ قَدْ قِيلَ إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي سَبَبِهِ، فَإِنَّهُ -رَضِي اللّهُ عنه- مَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تَجْزَى، حَتَّى وَلَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم، إلَّا نِعْمَةَ الرَّسُولِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ جَزَاؤُهَا، وَهِيَ [نِعْمَةُ] الدَّعْوَةُ إلَى دِينِ الْإِسْلَامِ، وَتَعْلِيمِ الْهُدَى وَدِيْنِ الْحَقِّ، فَإِنَّ لِلَّهِ وَرَسُولَهُ الْمِنَّةَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، مِنَّةً لَا يُمْكِنُ لَهَا جَزَاءٌ وَلَا مُقَابَلَةً، فَإِنَّهَا مُتَنَاوِلَةٌ لِكُلِّ مَنْ اتَّصَفَ بِهَذَا الْوَصْفِ الْفَاضِلِ، فَلَمْ يَبْقَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ مِنْ الْخَلْقِ نِعْمَةٌ تَجْزَى، فَبَقِيَتْ أَعْمَالُهُ خَالِصَةً لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ هَذَا الأَتَّقِى بِمَا يُعْطِيهِ اللَّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَرَامَاتِ وَالْمُثَوبَاتِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
تَّفْسِيرُ سُورَةً وَالضُّحَى
وَهِيَ مَكِيَةُ
1 (١) في ب: والأدناس. (٢) في ب: بقيت.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout