أي: دعا زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلاَمُ رَبُّهُ أَنْ يُرْزِقَهُ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً، أَيْ: طَاهِرَةُ الأَخْلَاقِ، طَيِّبَةُ الْآدَابِ، لِتَكْمُلِ النِّعْمَةِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ بِهِمْ. فَاسْتَجَابَ لَهُ ⦗١٣٠⦘ دعاءه.
وبَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ فِي مِحْرَابِهِ يَتَعَبَّدُ لِرَبِّهِ وَيَتَضَرَّعُ نَادَتُهُ الْمَلائِكَةُ ﴿أَنَّ اللَّهَ يَبَشِّرِكَ بِيَحْيَى مُصَدَّقًٍا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ِ أَيْ: بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِأَنَّهُ كَانَ بِكَلِمَةِ اللَّهِ ﴿وَسَيْدًا﴾ أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ مِنْ الصِّفَاتِ الْجَمِيلَةِ مَا يَكُونُ بِهِ سَيِّدًا يَرْجِعُ إِلَيْهِ فِي الْأُمُورِ ﴿وَحُصُورًَا﴾ أَيْ: مَمْنُوعًا مِنْ إِتْيَانِ النِّسَاءِ، فَلَيْسَ فِي قَلْبِهِ لَهُنَّ شَهْوَةً، اشْتِغَالًا بِخِدْمَةِ رَبِّهِ وَطَاعَتِهِ ﴿وَنَبِيًا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ فَأَيْ: بَشَارَةِ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا الْوَلَدِ الَّذِي حَصَلَتْ الْبِشَارَةُ بِوُجُودِهِ، وَبِكَمَالِ صِفَاتِهِ، وَبِكَوْنِهِ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ، فَقَالَ زَكَرِيَّا مِنْ شِدَّةِ فَرَحِهِ ﴿رَبُّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبْرِ وَامْرَأَتِي عَاقِرٍ﴾ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ مَانِعٌ مِنْ وُجُودِ الْوَلَدِ، فَكَيْفَ وَقَدْ اجْتَمَعَا، فَأَخْبَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ هَذَا خَارِقٌ لِلْعَادَةِ، فَقَالَ: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ فَكَمَا أَنَّهُ تَعَالَى قَدْرَ وُجُودِ الْأَوْلَادِ بِالْأَسْبَابِ الَّتِي مِنْهَا التَّنَاسُلُ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوجَدَهُمْ مِنْ غَيْرِ مَا سَبَبَ فِعْلٍ، لِأَنَّهُ لَا يَسْتَعْصِي عَلَيْهِ شَيْءً، فَقَالَ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ اسْتِعْجَالًا لِهَذَا الْأَمْرِ، وَلْيَحْصُلْ لَهُ كَمَالُ الطُّمَأْنِينَةِ.
﴿رب اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أَيْ: عَلامَةً عَلَى وُجُودِ الْوَلَدِ قَالَ ﴿آيَتُكَ أَلا تَكَلِّمُ النَّاسُ ثَلَاَثَةَ أَيَّامٍ إِلَّاَّ رَمْزًَا﴾ أَيْ: يَنْحَبِسُ لِسَانُكَ عَنْ كَلَامِهِمْ مِنْ غَيْرِ آفَةٍ وَلَا سُوءً، فَلَا تَقْدِرُ إِلَّا عَلَى الْإِشَارَةِ وَالرِّمْزِ، وَهَذَا آيَةٌ عَظِيمَةٌ أَنْ لَا تَقْدِرَ عَلَى الْكَلَامِ، وَفِيهِ مُنَاسَبَةٌ عَجِيبَةٌ، وَهِيَ أَنَّهُ كَمَا يَمْنَعُ نُفُوذَ الْأَسْبَابِ مَعَ وُجُودِهَا، فَإِنَّهُ يُوجِدُهَا بِدُونِ أَسْبَابِهَا لِيَدُلَّ ذَلِكَ أَنَّ الْأَسْبَابَ كُلَّهَا مُنْدَرِجَةً فِي قَضَائِهِ وَقَدْرِهِ، فَامْتَنَعَ مِنْ الْكَلَاَمِ ثَلَاَثَةَ أَيَّامٍ، وَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُشْكِرَهُ وَيَكْثِرُ مِنْ ذِكْرِهِ بِالْعَشِيِ وَالْإِبْكَارِ، حَتَّى إِذَا خَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنْ الْمِحْرَابِ ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنَّ سَبَّحُوا بَكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ أَيْ: أَوَّلُ النَّهَارِ وَآخِرَهُ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout