هذا قسم مِنَ اللَّهُ بِالزَّمَانِ الَّذِي تَقَعُ فِيهِ أَفْعَالُ الْعِبَادِ عَلَى تَفَاوُتِ أَحْوَالِهِمْ، فَقَالَ: ﴿وََاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [أي: يَعُم] الْخَلْقُ بِظَلاَمِهِ، فَيَسْكُنُ كُلٌّ إِلَى مَأْوَاهُ وَمَسْكَنِهِ، وَيَسْتَرِيحُ الْعِبَادَ مِنْ الْكَدِّ وَالتَّعَبُّ.
﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ للخلق، فَاسْتَضَاءُوا بِنُورِهِ، وَانْتَشَرُوا فِي مَصَالِحِهِم.
﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأنْثَى﴾ إِن كَانَت " مَا " مَوْصُولَةً، كَانَ إِقْسَامًًا بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ الْمَوْصُوفَةَ، بِأَنَّهُ (١) خَالق الذُّكُورُ وَالإِنَاثُ، وَإِنْ كَانَتْ مَصْدَرِيَّةً، كَانَ قِسْمًًا بِخَلْقِهِ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَكَمَالِ حِكْمَتِهِ فِي ذَلِكَ أَنْ خَلَقَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي يُرِيدُ بَقَاءَهَا ذِكَرًَا وَأُنْثَى، لِيَبْقَى النَّوْعُ وَلَا يَضْمَحِلُ، وَقَادَ كُلًّا مِنْهُمَا إِلَى الْآخَرِ بِسِلْسِلَةِ الشَّهْوَةِ، وَجَعَلَ كُلًّا مِنْهُمَا مُنَاسِبًًا لِلْآخَرِ، فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ.
وَقَوْله: ﴿إِِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ هذا [هو] المُقْسم عَلَيْهِ أَيْ: إِنَّ سَعْيَكُمْ أَيُّهَا الْمُكَلَّفُونَ لِمُتَفَاوِتٍ تَفَاوُتًا كَثِيًرًا، وَذَلِكَ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ نَفْسِ الْأَعْمَالِ وَمِقْدَارِهَا وَالنَّشَاطُ فِيهَا، وَبِحَسَبِ الْغَايَةِ الْمَقْصُودَةِ بِتِلْكَ الْأَعْمَالِ، هَلْ هُوَ وَجْهُ اللَّهِ الْأَعْلَى الْبَاقِي؟ فَيَبْقَى السَّعْيُ لَهُ (٢) بِبَقَائِهِ، وَيَنْتَفِعُ بِهِ صَاحِبُهُ، أَمْ هِيَ غَايَةٌ مُضْمَحَلَةٌ فَانِيَةً، فَيَبْطُلُ السَّعْيُ بِبُطْلَانِهَا، وَيَضْمَحِلُ بِاضْمِحْلَالِهَا؟
وَهَذَا كُلُّ عَمَلٍ يَقْصِدُ بِهِ غَيْرُ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، بِهَذَا الْوَصْفِ، وَلِهَذَا فَصَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْعَامِلِينَ، وَوَصْفَ أَعْمَالِهِمْ، فَقَالَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ [أي] مَا أَمَرَ بِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ، كَالزَّكَوَاتِ، وَالْكَفَّارَاتِ وَالنَّفَقَاتِ، وَالصَّدَقَاتِ، وَالْإِنْفَاقُ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ، وَالْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ كَالصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ وَنَحْوِهِمَا.
وَالْمُرَكَّبَةِ مِنْهُمَا، كَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ [وَنَحْوِهِمَا] ﴿وََاتَِّقَى﴾ ما نُهِي عنهُ، مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَعَاصِي، عَلَى اخْتِلَافِ أَجْنَاسِهَا.
﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ أي: صدِّق بـ " لا إِلَهُ إِلَّاَّ اللَّهُ " وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ، مِنْ جَمِيعِ الْعَقَائِدِ الدِّينِيَّةِ، وَمَا تَرَتَّبَ عَلَيْهَا مِنْ الْجَزَاءِ الأَخْرَوِيِّ.
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ أي: نسهل عليه أَمْرُهُ، وَنَجْعَلُهُ مَيْسِرًا لَهُ (٣) كل خَيْر، مُيْسِّرًا لَهُ تَرْكَ كُلِّ شَرٍّ، لِأَنَّهُ أَتَى بِأَسْبَابِ التَّيْسِيرِ، فَيُسِرُ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ.
﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾ بما أَمَرَ بِهِ، فَتَرَكَ الْإِنْفَاقَ الْوَاجِبَ وَالْمُسْتَحَبَّ، وَلَمْ تُسْمَحْ نَفْسَهُ بِأَدَاءِ مَا وَجَبَ لِلَّهِ، ﴿وََاسِْتَِغْنَى﴾ عن الله، فَتَرَكَ عُبُودِيَّتُهُ جَانِبًٌا، وَلَمْ يَرَ نَفْسَهُ مُفْتَقِرَةً غَايَةِ الِافْتِقَارِ إِلَى رَبِّهَا، الَّذِي لَا نَجَاةَ لَهَا وَلَا فَوْزَ وَلَا فَلَاحَ، إِلَّا بِأَنْ يَكُونَ هُوَ مَحْبُوبُهَا وَمَعْبُودُهَا، الَّذِي تَقْصِدُهُ وَتَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ.
﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ أيُّ: بِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ التَّصْدِيقُ بِهِ مِنْ الْعَقَائِدِ الْحَسَنَةِ.
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ أي: للحالة العسرَةِ، وَالْخِصَّالُ الذُّمِيمَةُ، بِأَنْ يَكُونَ مُيْسِرًَا لِلشَّرِّ أَيْنَمَا كَانَ، وَمَقِيضًًا لَهُ أَفْعَالُ الْمَعَاصِي، نَسْأَلُ اللَّهُ الْعَافِيَةَ.
﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ﴾ الَّذِي أَطَغَاهُ وَاسْتَغْنَى بِهِ، وَبَخَلَ بِهِ إِذَا هَلَكَ وَمَاتَ، فَإِنَّهُ لَا يَصْحَبُهُ إِلَّاَّ عَمَلَهُ الصَّالِحُ (٤) .
وأما مَالُه [الَّذِي لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ الْوَاجِبُ] فَإِنَّهُ يَكُونُ وَبَالَا عَلَيْهِ، إِذْ لَمْ يُقَدَّمْ مِنْهُ لِآخِرَتِهِ شَيْئًا.
﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ أي: إِنَّ الْهُدَّىَّ الْمُسْتَقِيمَ طَرِيقَهُ، يُوصِلُ إِلَى اللَّهِ، وَيَدَنِي مَنْ رِضَاهُ، وَأَمَّا الضَّلاَلُ، فَطُرُقَ مَسْدُودَةً عَنِ اللَّهِ، لَاَ تُوصِلُ صَاحِبُهَا إِلَّا لِلْعَذَابِ الشَّدِيدِ.
﴿وَإِِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأَولَى﴾ ملكًا وَتَصَرُّفًَا، لَيْسَ لَهُ فِيهِمَا مُشَارِكً، فَلْيَرْغَبْ الرَّاغِبُونَ إِلَيْهِ فِي الطَّلَبِ، وَلْيَنْقَطِعَ رِجَاؤُهُمْ عَنِ الْمَخْلُوقِينَ.
﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ أي: تَسْتَعِرُّ وَتَتَوَقَّدُ.
1 (١) في ب: بكونه. (٢) في ب: العمل له. (٣) في ب: أي نيسر له أمره، ونجعله مسهلا عليه. (٤) في ب: فإنه لا يصحب الإنسان إلا عمله الصالح.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout