يخْبَرُ تَعَالَى بِاخْتِيَارِ مَنْ اخْتَارَهُ مِنْ أَوْلِيَائِهِ وَأَصْفِيَائِهِ وَأَحْبَابِهِ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ اصْطَفَى آدَمَ، أَيْ: اخْتَارَهُ عَلَى سَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ، فَخَلَقَهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرِ الْمَلَائِكَةِ بِالسُّجُودِ لَهُ، وَأَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ، وَأَعْطَاهُ مِنَ الْعِلْمِ ⦗١٢٩⦘ والحَلم وَالْفَضْلُ مَا فَاقَ بِهِ سَائِرُ الْمَخْلُوقَاتِ، وَلِهَذَا فَضْلَ بَنِيهِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبِرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزْقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضْلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ .
وَاصْطِفِى نُوحًا فَجَعَلَهُ أَوَّلَ رَسُولٍ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ حِينَ عَبِدَتُ الْأَوْثَانِ، وَوَفَّقَهُ مِنْ الصَّبْرِ وَالِاحْتِمَالِ وَالشُّكْرِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ مَا أَوْجَبَ اصْطِفَاءَهُ وَاجْتِبَاءَهُ، وَأَغْرَقَ اللَّهُ أَهْلَ الْأَرْضِ بِدَعْوَتِهِ، وَنَجَّاهُ وَمَنْ (١) مَعَهُ فِي الْفَلْكِ الْمَشْحُونِ، وَجَعَلَ ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ، وَتَرَكَ عَلَيْهِ ثَنَاءً يَذْكُرُ فِي جَمِيعِ الْأَحْيَانِ وَالْأَزْمَانِ.
وَاصْطَفِى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ الَّذِي اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِخَلْتِهِ، وَبَذْلَ نَفْسِهُ لِلنِّيرَانِ وَوَلَدِهُ لِلْقُرْبَانِ وَمَالِهِ لِلضَّيفَانِ، وَدَعَا إِلَى رَبِّهِ لَيْلًاً وَنَهَارًا وَسِرًّا وَجِهَارًا، وَجَعَلَهُ اللَّهُ أُسْوَةً يَقْتَدِي بِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَجَعَلَ فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ، وَيَدْخُلُ فِي آلِ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ بَعَثُوا مِنْ بَعْدِهِ لِأَنَّهُمْ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، وَقَدْ خَصَّهُمْ بِأَنْوَاعِ الْفَضَائِلِ مَا كَانُوا بِهِ صَفْوَةً عَلَى الْعَالَمِينَ، وَمِنْهُمْ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَمَعَ فِيهِ مِنْ الْكَمَالِ مَا تَفَرَّقَ فِي غَيْرِهِ، وِفَاقٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ، فَكَانَ سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ الْمُصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ.
وَاصْطَفَى اللَّهُ آلِ عِمْرَانَ وَهُوَ وَالِدُ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، أَوْ وَالِدِ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَهَذِهِ الْبُيُوتُ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ هِيَ صُفْوتُهُ مِنَ الْعَالَمِينَ، وَتُسَلْسِلُ الصَّلَاحِ وَالتَّوْفِيقِ بِذُرِّيَّاتِهِمْ، فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى ﴿ُذُرِّيَّةُ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضِ﴾ .
أي: حَصَلَ التَّنَاسُبُ وَالتّشَابُهُ بَيْنَهُمْ فِي الْخَلْقِ وَالأَخْلَاقِ الْجَمِيلَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى لِمّا ذُكِرَ جُمْلَةً مِنَ الأَنْبِيَاءِ الدَّاخِلِينَ فِي ضِمْنِ هَذِهِ الْبُيُوتِ الْكِبَارِ ﴿َوَمِنْ آبَائِهِمْ وَإِخْوَانِهُمْ وَذُرِّيَاتِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وَاَللّهِ سَمِيعٌ عَلِيمَ﴾ يَعْلَمُ مَنْ يَسْتَحِقُّ الِاصْطِفَاءَ فَيَصْطَفِيهِ وَمَنْ لَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ فَيَخْذُلُهُ وَيُرْدِيهِ، وَدَلّ هَذَا عَلَى أَنَّ هَؤُلاَءِ اخْتَارَهُمْ لِمّا عُلِمَ مِنْ أَحْوَالِهِمْ الْمُوجِبَةِ لِذَلِكَ فَضْلًا مِنْهُ وَكَرْمًا، وَمِنْ الْفَائِدَةِ وَالْحِكْمَةِ فِي قَصِّهِ عَلَيْنَا أَخْبَارُ هَؤُلَاَءِ الْأَصْفِيَاءِ أَنَّ نَحْبَّهُمْ وَنَقْتَدِي بِهِمْ، وَنَسْأَلُ اللَّهُ أَنْ يُوَفِّقْنَا لِمَّا وَفَّقَهُمْ، وَأَنْ لَا نِزَالَ نَزْرِي (٢) أَنْفُسَنَا بِتَأَخُّرِنَا عَنْهُمْ وَعَدَمُ اتِّصَافِنَا بِأَوْصَافِهِمْ وَمَزَايَاهُمُ الْجَمِيلَةِ، وَهَذَا أَيْضًا مِنْ لَطْفِهِ بِهِمْ، وَإِظْهَارُهُ الثَّنَاءُ عَلَيْهِمْ فِي الْأَوَّلِينِ وَالْآخَرِينَ، وَالتَّنْوِيهِ بِشَرْفِهِمَ، فَلِلَّهِ مَا أَعْظَمُ جُودَهُ وَكَرْمَهُ وَأَكْثَرُ فَوَائِدُ مُعَامَلَتِهِ، لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الشَّرَفِ إِلَّا أَنَّ أَذْكَارَهُمْ مُخَلَّدَةٌ وَمَنَاقِبُهُمْ مُؤَبَّدَةٌ لَكَفَى بِذَلِكَ فَضْلَا
وَلَمَّا ذُكِرَ فَضَائِلُ هَذِهِ الْبُيُوتِ الْكَرِيمَةِ ذِكَرَ مَا جَرَى لِمَرْيَمٍ وَالِدَةِ عِيسَى وَكَيْفَ لَطْفَ اللَّهُ بِهَا فِي تَرْبِيَتِهَا وَنَشْأَتُهَا، فَقَالَ: ﴿إِذْ قَالَتْ امْرَأَةُ عِمْرَانَ﴾ أَيْ: وَالِدَةُ مَرْيَمٌ لَمَّا حَمَلَتْ ﴿رَبُّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًَا﴾ أَيْ: جُعَلْت مَا فِي بَطْنِي خَالِصًا لِوَجْهِكَ، مُحَرَّرًا لِخِدْمَتِكَ وَخِدْمَةِ بَيْتِك ﴿فَتُقْبَلُ مِنِي﴾ هَذَا الْعَمَلُ الْمُبَارَكَ ﴿إِنَّك أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمَ﴾ تُسْمَعُ دُعَائِي وَتَعْلَمُ نِيَّتِي وَقَصْدِي، هَذَا وَهِيَ فِي الْبَطْنِ قَبْلَ وَضْعِهَا
﴿فَلَمَّا وَضَعْتهَا قَالَتْ رَبُّ إنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ كَأَنَّهَا تَشَوَّفَتُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا لِيَكُونَ أَقْدَرَ عَلَى الْخِدْمَةِ وَأَعْظَمُ مَوْقِعًا، فَفِي كَلَامِهَا [نوعً] (٣) عُذْر مِنْ رَبِّهَا، فَقَالَ اللَّهِ: ﴿وَاَللَّهِ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ﴾ أَيْ: لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِعْلَامِهَا، بَلْ عِلْمُهُ مُتَعَلِّقٌ بِهَا قَبْلَ أَنْ تَعْلَمَ أُمُّهَا مَا هِيَ ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمُ﴾ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى تَفْضِيلِ الذِّكَرِ عَلَى الأُنْثَى، وَعَلَى التَّسْمِيَةِ وَقْتَ الْوِلَادَةِ، وَعَلَى أَنَّ لِلْأُمِّ تَسْمِيَةُ الْوَلَدِ إِذَا لَمْ يُكْرَهُ الْأَبُ ﴿وَإِنِّي أَعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتُهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ِ دَعَتْ لَهَا وَلِذُرِيَّتِهَا أَنْ يُعِيذَهُمْ اللَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.
﴿فَتَقْبَلُهَا رَبُّهَا بِقَبُولِ حَسَنٍ﴾ أَيْ: جَعْلُهَا نَذِيرَةً مَقْبُولَةً، وَأَجَارَهَا وَذُرِّيَّتُهَا مِنَ الشَّيْطَانِ ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًُا حَسَنًَا﴾ أَيْ: نَبَتَتُ نَبَاتًا حَسَنًا فِي بَدَنِهَا وَخَلْقَهَا وَأَخْلَاقِهَا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قِيْضَ لَهَا زَكَرِيًّا عَلَيْهِ السَّلَامُ ﴿وَكَفَلَهَا﴾ إِيَّاهُ، وَهَذَا مِنْ رِفْقِهِ بِهَا لِيُرَبِّيَهَا عَلَى أَكْمَلِ الْأَحْوَالِ، فَنَشَأَتْ فِي عِبَادَةِ رَبِّهَا وَفَاقَتْ النِّسَاءَ، وَانْقَطَعَتْ لِعِبَادَةِ رَبِّهَا، وَلَزِمَتْ مِحْرَابُهَا أَيْ: مُصَلَّاهَا فَكَانَ ﴿كُلِّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وُجِدَ عِنْدَهَا رِزْقًَا﴾ أَيْ: مِنْ غَيْرِ كَسْبٍ وَلَاَ تَعَبَ، بَلْ رِزْقٌ سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْهَا، وَكَرَامَةُ أَكْرَمَهَا اللَّهُ بِهَا، فَيَقُولُ لَهَا زَكَرِيّا ﴿أَنِّى لَكَ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ِ فَضْلًا وَإِحْسَانًا ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزَقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أَيْ: مِنْ غَيْرِ حُسْبَانَ مِنَ الْعَبْدِ وَلاَ كَسْبً، قَالَ تَعَالَى: ﴿َوَمَنْ يَتِقِ اللَّهُ يُجْعَلُ لَهُ مُخْرَجًٌا وَيَرْزُقُهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى إِثْبَاتِ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ الْخَارِقَةِ لِلْعَادَةِ كَمَا قَدْ تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَارُ بِذَلِكَ، خِلَافًا لِمَنْ نَفَى ذَلِكَ، فَلَمَّا رَأَى زَكَرِيا عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا مِنَ اللَّهِ بِهِ عَلَى مَرْيَمَ، وَمَا أَكْرَمَهَا بِهِ مِنْ رِزْقِهِ الْهَنِيءُ الَّذِي أَتَاهَا بِغَيْرِ سَعْيٍ مِنْهَا وَلَا كَسْبً، طَمِعَتْ نَفْسَهُ بِالْوَلَدِ، فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى:
1 (١) في الأصل: وممن. (٢) في الأصل: نزدي. (٣) الكلمة غير واضحة في الأصل ويبدو - والله أعلم - أنها كما أثبت.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout