أَيْ: كَيْفَ يَكُونُ حَالُهُمْ وَوَخِيمُ مَا يُقَدَّمُونَ عَلَيْهِ، حَالَةً لَا يُمْكِنُ وَصْفُهَا وَلَا يُتَصَوَّرُ قَبْحُهَا لِأَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ يَوْمَ تَوْفِيَةِ النُّفُوسِ مَا كَسَبَتْ وَمُجَازَاتُهَا بِالْعَدْلِ لَا بِالظُّلْمِ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ الْأَعْمَالِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ مَا يُبَيِّنُ أَنَّهُمْ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عُذَابًا.
⦗١٢٧⦘
يَقول الله لنَبِيه صلى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ ﴿قَلَّ اللَّهُمَّ مَالِكٌ الْمِلْكِ﴾ أَيْ: أَنْتَ الْمِلْكُ الْمَالِكُ لِجَمِيعِ الْمَمَالِكِ، فَصِفَةُ الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ لَكَ، وَالْمُمْلَّكَةُ كُلُّهَا عَلَوَيْهَا وَسُفْلَيْهَا لَكَ وَالتَّصْرِيفُ وَالتَّدْبِيرُ كُلُّهُ لَكَ، ثُمَّ فَصَلَ بَعْضُ التَّصَارِيفِ الَّتِي انْفَرَدَ الْبَارِي تَعَالَى بِهَا، فَقَالَ: ﴿تُؤْتِي الْمِلْكَ مَنْ تَشَاءَ وَتَنْزِعُ الْمِلْكُ مِمَّنْ تَشَاءَ﴾ وَفِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَيَنْزِعُ الْمِلْكَ مِنَ الْأَكَاسِرَةِ وَالْقِيَاصِرَةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ وَيُؤْتِيهِ أَمَةً مُحَمَّدٍ، وَقَدْ فَعَلَ وَلِلَّهِ الْحَمْدَ، فَحُصُولُ الْمِلْكِ وَنَزْعَهُ تَبَعٌ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَاَ يُنَافِي ذَلِكَ مَا أَجْرَى اللَّهُ بِهِ سُنَّتَهُ مِنْ الْأَسْبَابِ الْكَونِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ الَّتِي هِيَ سَبَبُ بَقَاءِ الْمِلْكِ وَحُصُولِهِ وَسَبَبِ زَوَالِهِ، فَإِنَّهَا كُلُّهَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ لَا يُوجَدُ سَبَبٌ يَسْتَقِلُّ بِشَيْءٍ، بَلْ الْأَسْبَابُ كُلُّهَا تَابِعَةً لِلْقَضَاءِ وَالْقَدْرِ، وَمِنْ الْأَسْبَابِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ سَبَبًا لِحُصُولِ الْمِلْكِ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلُ الصَّالِحِ، الَّتِي مِنْهَا اجْتِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ وَاتِّفَاقِهِمْ، وَإِعْدَادِهِمْ الْآلَاتِ الَّتِي يَقْدِرُوا عَلَيْهَا وَالصَّبْرَ وَعَدَمُ التَّنَازُعِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَعَدَ اللَّهِ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لِيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قِبَلِهِمْ﴾ الْآيَةَ فَأَخْبَرَ أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ سَبَبٌ لِلِاسْتِخْلَافِ الْمَذْكُورِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿َهُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلْفٌ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ِيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تَفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَاَ تَنَازَعُوا فَتَفَشَّلُوا وَتَذْهَبَ رِيْحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ فَأَخْبَرَ أَنَّ ائْتِلَافَ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ وَثَبَاتِهِمْ وَعَدَمِ تَنَازُعِهِمْ سَبَبٌ لِلنَّصْرِ عَلَى الأَعْدَاءِ، وَأَنْتَ إِذَا اسْتَقْرَأْتْ الدُّولُ الإِسْلَامِيَّةَ وَجَدَتْ السَّبَبُ الْأَعْظَمُ فِي زَوَالِ مِلْكِهَا تَرْكَ الدِّينِ وَالتَّفَرُّقِ الَّذِي أَطْمَعَ فِيهِمْ الْأَعْدَاءَ وَجَعَلَ بِأَسْهُمْ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَعَزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بِطَاعَتِكَ ﴿وَتَذِلَ مَنْ تَشَاءَ﴾ بِمَعْصِيَتِكَ ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْكَ أَمْرٌ مِنْ الْأُمُورِ بَلْ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا طَوْعُ مَشِيئَتِكَ وَقُدْرْتُكَ
﴿تَوَلَّجَ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتَوَلَّجَ النَّهَارُ فِي اللَّيْلِ﴾ِ أَيْ: تَدْخُلُ هَذَا عَلَى هَذَا، وَهَذَا عَلَى هَذَا، فَيَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ الْفُصُولِ وَالضِّيَاءِ وَالنُّورِ وَالشَّمْسِ وَالظِّلِّ وَالسُّكُونِ وَالِانْتِشَارُ، مَا هُوَ مِنْ أَكْبَرِ الْأَدِلَّةِ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ ﴿وَتَخْرُجُ الْحَيِّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ِّ كَالْفَرْخِ مِنْ الْبَيْضَةِ، وَكَالشَّجَرِ مِنَ النَّوَى، وَكَالزَّرْعِ مِنْ بَذْرِهِ، وَكَالْمُؤْمِنِ مِنَ الْكَافِرِ ﴿وَتَخْرُجُ الْمَيِّتُ مِنَ الْحَيْ﴾ِ كَالْبَيْضَةِ مِنْ الطَّائِرِ وَكَالنَّوَى مِنَ الشَّجَرِ، وَكَالْحَبِّ مِنَ الزَّرْعِ، وَكَالْكَافِرِ مِنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَذَا أَعْظَمُ دَلِيلٌ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ، وَأَنَّ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ مُسْخَّرَةٌ مُدَبَّرَةٌ لَا تَمْلِكُ مِنْ التَّدْبِيرِ شَيْئًا، فَخَلَقَهُ تَعَالَى الْأَضْدَادَ، وَالضِّدُّ مِنْ ضِدِّهِ بَيَانُ أَنَّهَا مَقْهُورَةٌ ﴿وَتَرَزَّقُ مَنْ تَشَاءَ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أَيْ: تَرْزُقُ مَنْ تَشَاءِ رِزْقًا وَاسِعًا مِنْ حَيْثُ لَا يُحْتَسِبُ وَلَا يَكْتَسِبُ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى:
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout