ذكر الله في هذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ أَوَّلَ حَالَةِ الإِنْسَانِ وَمُبْتَدَأَهَا وَمُتَوَسِّطِهَا وَمُنْتَهَاهَا.
فَذَكَرَ أَنَّهُ مَرَّ عَلَيْهِ دَهْرٌ طَوِيلٌ وَهُوَ الَّذِي قَبْلَ وُجُودِهِ، وَهُوَ مَعْدُومٌ بَلْ لَيْسَ مَذْكُورًا.
ثم لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى خَلْقَهُ، خَلَقَ [أَبَاهُ] آدَمَ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مُتَسَلِّسِلًاً ﴿مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ أَيُّ: مَاءُ مُهِينُ مُسْتَقْذِرٌ ﴿نََبْتَلِيهِ﴾ بذلك لنَعْلَمْ هَلْ يَرَى حَالَهُ الأُولَى وَيَتَفَطَّنُ لَهَا أَمْ يَنْسَاهَا وَتَغَرُّهُ نَفْسَهُ؟
فَأَنْشَأَهُ اللَّهُ، وَخَلِقَ لَهُ الْقُوَى الْبَاطِنَةَ وَالظَّاهِرَةَ، كَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ، وَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ، فَأَتَمَّهَا لَهُ وَجَعَلَهَا سَالِمَةً يَتَمَكَّنُ بِهَا مِنْ تَحْصِيلِ مَقَاصِدِهِ.
ثُم أَرْسَلَ إِلَيْهِ الرُّسُلَ، وَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الْكُتُبُ، وَهَدَاهُ الطَّرِيقُ الْمُوصِّلَةُ ⦗٩٠١⦘ إلى الله (١)، ورغبه فِيهَا، وَأَخْبَرَهُ بِمَا لَهُ عِنْدَ الْوُصُولِ إِلَى اللَّهِ.
ثم أَخْبَرَهُ بِالطَّرِيقِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى الْهَلَاكِ، وَرَهَبَهُ مِنْهَا، وَأَخْبَرَهُ بِمَا لَهُ إِذَا سَلَكَهَا، وَابْتَلَاهُ بِذَلِكَ، فَانْقَسَمَ النَّاسُ إِلَى شَاكِرٍ لِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ، قَائِمٌ بِمَا حَمَلَهُ اللَّهُ مِنْ حُقُوقِهِ، وَإِلَى كُفُورٍ لِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ، أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالنِّعَمِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، فَرَدَّهَا، وَكَفَرَ بِرَبِّهِ، وَسَلَكَ الطَّرِيقُ الْمُوصِّلَةَ إِلَى الْهَلَاكِ.
ثم ذَكَرَ تَعَالَى حَالَ الْفَرِيقَيْنِ عِنْدَ الْجَزَاءِ فَقَالَ:
1 (١) في ب: الطريق الموصلة إليه وبينها.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout