﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةً﴾ أَيْ: عِبْرَةُ عَظِيمَةٌ ﴿فِي فِئَتَيْنِ التَّقْتَا﴾ وَهَذَا يَوْمَ بَدْرٍ ﴿فِئَةٍ تُقَاتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ِ وَهُمْ الرَّسُولُ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةً﴾ أَيْ: كُفَّارُ قُرَيْشٍ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطْرًا وَفَخْرًا وَرِئَاءُ النَّاسِ، وَيَصِدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، فَجَمَعَ اللَّهُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ فِي بَدْرٍ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ أَضْعَافَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلِهَذَا قَالَ ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيُ الْعَيْنِ﴾ أَيْ: يَرَى الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ يَزِيدُونَ عَلَيْهَا زِيَادَةً كَثِيرَةً، تَبْلُغُ الْمُضَاعَفَةُ وَتَزِيدُ عَلَيْهَا، وَأَكَدَ هَذَا بِقَوْلِهِ ﴿رَأْيِ الْعَيْنِ﴾ فَنَصَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَيِّدُهُمْ بِنَصْرِهِ فَهَزَمُوهُمْ، وَقَتَلُوا صَنَادِيدَهُمْ، وَأَسَرُوا كَثِيرًا مِنْهُمْ، وَمَا ذَاكَ إلَّا لِأَنَّ اللَّهَ نَاصِرٌ مِنْ نَصْرِهِ، وَخَاذَلَ مَنْ كَفَرَ بِهِ، فَفِي هَذَا عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَبْصَارِ، أَيْ: أَصْحَابُ الْبَصَائِرِ النَّافِذَةِ وَالْعُقُولُ الْكَامِلَةِ، عَلَى أَنَّ الطَّائِفَةَ الْمَنْصُورَةَ مَعَهَا الْحَقَّ، وَالْأُخْرَى مُبْطِلَةً، وَإِلَّا فَلَوْ نَظَرَ النَّاظِرُ إلَى مُجَرَّدِ الْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ وَالْعَدَدِ وَالْعَُدَدِ لِجَزْمٍ بِأَنَّ غَلَبَةَ هَذِهِ الْفِئَةِ الْقَلِيلَةِ لِتِلْكَ الْفِئَةِ الْكَثِيرَةِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُحَالَاتِ، وَلَكِنْ وَرَاءَ هَذَا السَّبَبِ الْمُشَاهَدِ بِالْأَبْصَارِ سَبَبٌ أَعْظَمُ مِنْهُ لَا يُدْرِكُهُ إلَّا أَهْلُ الْبَصَائِرِ وَالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ وَالثِّقَةِ بِكِفَايَتِهِ، وَهُوَ نَصْرُهُ وَإِعْزَازُهُ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَعْدَائِهِ الْكَافِرِينَ.
⦗١٢٤⦘
يُخْبَرُ تَعَالَى أَنَّهُ زَيْنٌ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَخَصَّ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ لِأَنَّهَا أَعْظَمُ شَهَوَاتِ الدُّنْيَا وَغَيْرِهَا تَبَعٌ لَهَا، قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ٍ فَلَمَّا زَيَّنَتْ لَهُمْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتُ بِمَا فِيهَا مِنْ الدَّوَاعِي الْمُثِيرَاتِ، تَعَلَّقَتْ بِهَا نُفُوسُهُمْ وَمَالَتْ إلَيْهَا قُلُوبُهُمْ، وَانْقَسَمُوا بِحَسَبِ الْوَاقِعِ إلَى قِسْمَيْنِ: قِسْمً: جَعَلُوهَا هِيَ الْمَقْصُودُ، فَصَارَتْ أَفْكَارُهُمْ وَخَوَاطِرُهُمْ وَأَعْمَالُهُمْ الظَّاهِرَةَ وَالْبَاطِنَةُ لَهَا، فَشَغَلْتُهُمْ عَمَّا خَلَقُوا لِأَجْلِهِ، وَصَحَّبُوهَا صُحْبَةُ الْبَهَائِمِ السَّائِمَةِ، يَتَمَتَّعُونَ بِلِذَاتِهَا وَيَتَنَاوَلُونَ شَهَوَاتَهَا، وَلَا يُبَالُونَ عَلَى أَيِّ: وَجْهٍ حَصَلُوهَا، وَلَا فِيمَا أَنْفَقُوهَا وَصَرْفُوهَا، فَهَؤُلَاءِ كَانَتْ زَادًا لَهُمْ إلَى دَارِ الشِّقَاءِ وَالْعِنَاءِ وَالْعَذَابِ، وَالْقِسْمِ الثَّانِي: عَرَفُوا الْمَقْصُودَ مِنْهَا وَأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهَا ابْتِلَاءً وَامْتِحَانًا لِعِبَادِهِ، لِيَعْلَمَ مَنْ يُقَدَّمُ طَاعَتَهُ وَمَرْضَاتُهُ عَلَى لِذَاتِهِ وَشَهَوَاتِهِ، فَجَعَلُوهَا وَسِيلَةً لَهُمْ وَطَرِيقًا يَتَزَوَّدُونَ مِنْهَا لِآخِرَتِهِمْ وَيَتَمَتَّعُونَ بِمَا يَتَمَتَّعُونَ بِهِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِعَانَةِ بِهِ عَلَى مَرْضَاتِهِ، قَدْ صَحَّبُوهَا بِأَبْدَانِهِمْ وَفَارَقُوهَا بِقُلُوبِهِمْ، وَعَلِمُوا أَنَّهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ فِيهَا ﴿ِذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ِ فَجَعَلُوهَا مُعَبَّرًا إلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ وَمُتَّجِرًا يَرْجُونَ بِهَا الْفَوَائِدُ الْفَاخِرَةَ، فَهَؤُلَاءِ صَارَتْ لَهُمْ زَادَا إِلَى رَبِّهِمَ. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ تَسْلِيَةٌ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ لَا قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَى هَذِهِ الشَّهَوَاتِ الَّتِي يَقْدِرُ عَلَيْهَا الْأَغْنِيَاءُ، وَتَحْذِيرٌ لِلْمُغْتَرِينَ بِهَا وَتَزْهِيدٌ لِأَهْلِ الْعُقُولِ النِّيرَةِ بِهَا، وَتَمَامُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ بَعْدَهَا عَنْ دَارِ الْقَرَارِ وَمَصِيرِ الْمُتَّقِينِ الْأَبْرَارِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهَا خَيْرٌ مِنْ ذَلِكُمْ الْمَذْكُورِ، أَلَا وَهِيَ الْجَنَّاتُ الْعَالِيَّاتُ ذَاتُ الْمَنَازِلِ الْأَنِيقَةُ وَالْغَرَفُ الْعَالِيَةُ، وَالْأَشْجَارُ الْمَتَنَوِّعَةُ الْمُثْمِرَةُ بِأَنْوَاعِ الثِّمَارِ، وَالْأَنْهَارِ الْجَارِيَةِ عَلَى حَسَبِ مُرَادِهِمْ وَالْأَزْوَاجِ الْمُطَهَّرَةِ مِنْ كُلِّ قَذْرٍ وَدُنْسٍ وَعَيْبٍ ظَاهِرٌ وَبَاطِنَ، مَعَ الْخُلُودِ الدَّائِمِ الَّذِي بِهِ تَمَامُ النَّعِيمِ، مَعَ الرِّضْوَانِ مِنَ اللَّهِ الَّذِي هُوَ أَكْبَرُ نُعَيْمٍ، فَقَسْ هَذِهِ الدَّارَ الْجَلِيلَةُ بِتِلْكَ الدَّارِ الْحَقِيرَةِ، ثُمَّ اخْتَرَّ لِنَفْسِكَ أَحْسَنَهُمَا وَاعْرِضْ عَلَى قَلْبِكِ الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَهُمَا ﴿وَاَللَّهِ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ِ أَيْ: عَالِمٌ بِمَا فِيهِمْ مِنْ الْأَوْصَافِ الْحَسَنَةِ وَالْأَوْصَافِ الْقَبِيحَةِ، وَمَا هُوَ اللَّائِقُ بِأَحْوَالِهِمْ، يُوَفَّقُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ وَيُخْذُلُ مَنْ شَاءَ. فَالْجَنَّةُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ وَصْفَهَا وَنَعْتُهَا بِأَكْمَلِ نَعْتٍ وَصْفٌ أَيْضًا الْمُسْتَحِقِّينَ لَهَا وَهُمْ الَّذِينَ اتَّقُوهُ بِفِعْلِ مَا أُمَرَ بِهِ وَتَرَكَ مَا نَهَى عَنْهُ، وَكَانَ مِنْ دُعَائِهِمْ أَنَّ قَالُوَا:
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout