يقول تعالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ هذا عَامٌّ لِجَمِيعِ الْمَصَائِبِ، فِي النَّفْسِ، وَالْمَالِ، وَالْوَلَدِ، وَالْأَحْبَابِ، وَنَحْوِهِمْ، فَجَمِيعُ مَا أَصَابَ الْعِبَادَ، فَبِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدْرِهِ، قَدْ سَبَقَ بِذَلِكَ عَلِمَ اللَّهُ [تَعَالَى]، وَجَرَى بِهِ قَلَّمَهُ، وَنَفَذَتْ بِهِ مَشِيئَتَهُ، وَاقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ، وَالشَّأْنُ كُلُّ الشَّأْنِ، هَلْ يَقُومُ الْعَبْدُ بِالْوَظِيفَةِ الَّتِي عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، أَمْ لَا يَقُومُ بِهَا؟ فَإِنْ قَامَ بِهَا، فَلَهُ الثَّوَابُ الْجَزِيلُ، وَالْأَجْرُ الْجَمِيلُ، فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَإِذَا آمَنَ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَرَضِيَ بِذَلِكَ، وَسَلَّمَ لِأَمْرِهِ، هُدَىَ اللَّهُ قَلْبَهُ، فَاطْمَأَنَّ وَلَمْ يَنْزَعِجْ عِنْدَ الْمَصَائِبِ، كَمَا يَجْرِي لِمَنْ (١) لَمْ يَهْدِ اللَّهُ قَلْبَهُ، بَلْ يَرْزِقُهُ الثَّبَاتُ عِنْدَ وُرُودِهَا (٢) وَالْقِيَامُ بِمُوجِبِ الصَّبْرِ، فَيَحْصُلُ لَهُ بِذَلِكَ ثَوَابٌ عَاجِلٌ، مَعَ مَا يَدَّخِرُ اللَّهُ لَهُ يَوْمَ الْجَزَاءِ مِنْ الثَّوَابِ (٣) كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ وَعُلَّمُ مَنْ هَذَا أَنَّ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاَللَّهِ عِنْدَ وُرُودِ الْمَصَائِبِ، بِأَنْ لَمْ يَلْحَظْ قَضَاءُ اللَّهِ وَقَدْرَهُ، بَلْ وَقْفٌ مَعَ مُجَرَّدِ الْأَسْبَابِ، أَنَّهُ يُخْذُلُ، وَيَكْلَهُ اللَّهُ إِلَى نَفْسِهِ، وَإِذَا وَكَّلَ الْعَبْدُ إِلَى نَفْسِهِ، فَالنَّفْسُ لَيْسَ عِنْدَهَا إِلَّا الْجَزْعَ وَالْهَلَعُ الَّذِي هُوَ عُقُوبَةٌ عَاجِلَةٌ عَلَى الْعَبْدِ، قَبْلَ عُقُوبَةِ الْآخِرَةِ، عَلَى مَا فَرَّطَ فِي وَاجِبِ الصَّبْرِ. هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ في مَقَامِ الْمَصَائِبِ الْخَاصِّ، وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ حَيْثُ الْعُمُومُ اللَّفْظِيُّ، فَإِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّ كُلَّ مِنْ آمَنَ أَيْ: الْإِيمَانُ الْمَأْمُورُ بِهِ، مَنْ (٤) الإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكَتَبِهِ وَرُسْلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ وَالْقَدْرِ خَيْرُهُ وَشَرِّهَ، وَصَدَّقَ إيمَانُهُ بِمَا يَقْتَضِيهِ الْإِيمَانُ مِنْ الْقِيَامِ بِلَوَازِمِهِ وَوَاجِبَاتِهِ، أَنَّ هَذَا السَّبَبَ الَّذِي قَامَ بِهِ الْعَبْدُ أَكْبَرُ سَبَبٌ لِهِدَايَةِ اللَّهِ لَهُ فِي أَحْوَالِهِ وَأَقْوَالِهِ، وَأَفْعَالِهِ (٥) وَفِي عِلْمِهِ وَعَمَلِهُ.
وَهَذَا أَفْضَلُ جَزَاءٍ يُعْطِيهِ اللَّهُ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْأَخْبَارِ: أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يُثْبِتُهُمُ اللَّهُ (٦) فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ.
وَأَصْلُ الثَّبَاتِ: ثَبَاتُ الْقَلْبِ وَصَبْرِهُ، وَيُقِينُهُ عِنْدَ وُرُودِ كُلِّ فِتْنَةٍ، فَقَالَ: ﴿ِيُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ فَأَهْلُ الإِيمَانِ أَهْدَى النَّاسُ قُلُوبًُا، وَأَثْبَتُهُمْ عِنْدَ الْمُزَعَجَاتِ وَالْمُقَلَّقَاتِ، وَذَلِكَ لَمَّا مَعَهُمْ مِنَ الإِيمَانِ.
[وقَوله:] ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ⦗٨٦٨⦘ أي: فِي امْتِثَالِ أَمْرِهِمَا، وَاجْتِنَابِ نَهْيِهِمَا، فَإِنَّ طَاعَةَ اللَّهِ وَطَاعَةَ رَسُولِهِ، مَدَارُ السَّعَادَةِ، وَعِنْوَانُ الْفَلَاَحِ، ﴿فَإِِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ [أي] عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَطَاعَةُ رَسُولِهِ، ﴿فَإِِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ أَيِّ: يَبْلُغُكُمْ مَا أَرْسَلَ بِهِ إِلَيْكُمْ، بَلَاَغًٍا يُبَيِّنُ لَكُمْ وَيَتَّضِحُ وَتَقُومُ (٧) عَلَيْكُمْ بِهِ الْحُجَّةَ، وَلَيْسَ بِيَدِهِ مِنْ هِدَايَتِكُمْ، وَلَاَ مِنْ حِسَابِكُمْ مِنْ شَيْءٍ، وَإِنَّمَا يُحَاسِبُكُمْ عَلَى الْقِيَامِ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ، أَوْ عَدَمِ ذَلِكَ، عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ.
﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ أي: هُو الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ وَالْأُلُوهِيَّةِ، فَكُلُّ مَعْبُودٍ سِوَاهُ فَبَاطِلٌ، ﴿ُوَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أيِّ: فَيلَعْتَمِدُوا (٨) عليه فِي كُلِّ أَمْرٍ نَابَهُمْ، وَفِيمَا يُرِيدُونَ الْقِيَامَ بِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَتَيَسَّرُ أَمْرٌ مِنْ الْأُمُورِ إِلَّا بِاَللَّهِ، وَلَاَ سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ (٩) إلا بِالِاعْتِمَادِ عَلَى اللَّهِ، وَلَاَ يَتِمُّ الِاعْتِمَادُ عَلَى اللَّهِ، حَتَّى يُحْسِنَ الْعَبْدُ ظَنَّهُ بِرَبِّهِ، وَيَثِقُ بِهِ فِي كِفَايَتِهِ الْأَمْرِ الَّذِي اعْتَمَدَ عَلَيْهِ بِهِ، وَبِحَسَبِ إيمَانِ الْعَبْدِ يَكُونُ تَوَكُّلُهُ، فَكُلَّمَا قَوِيَ الْإِيمَانِ قَوِيَ التَّوَكُّلِ (١٠)
1 (١) في ب: ممن. (٢) كذا في ب، وفي أ: عندها. (٣) في ب: من الأجر العظيم. (٤) في ب: وهو. (٥) في ب: في أقواله وأفعاله وجميع أحواله. (٦) في ب: كما قال تعالى مخبرًا أنه يثبت المؤمنين. (٧) في ب: بلاغًا بينًا واضحًا فتقوم. (٨) كذا في ب، وفي أ: يعتمدوا. (٩) كذا في ب، وفي أ: لذلك. (١٠) في ب: يكون توكله قوة وضعفًا.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout