يأْمُرُ تَعَالَى عِبَادُهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحُضُورِ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْمُبَادَرَةِ إِلَيْهَا، مِنْ حِينِ يُنَادَى لَهَا وَالسَّعْيُ إِلَيْهَا، وَالْمُرَادُ بِالسَّعْيِ هُنَا: الْمُبَادَرَةُ إِلَيْهَا وَالِاهْتِمَامُ لَهَا، وَجَعَلَهَا أَهَمُّ الْأَشْغَالِ، لَا الْعَدُوَّ الَّذِي قَدْ نُهِيَ عَنْهُ عِنْدَ الْمُضِيِّ إِلَى الصَّلَاةِ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ أيِّ: اتْرِكُوا الْبَيْعُ، إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاَةِ، وَامْضُوا إِلَيْهَا.
فَإِنَّ ﴿ذََلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِنِ اشْتِغَالِكُمْ بِالْبَيْعِ، وَتَفْوِيْتُكُمْ الصَّلَاَةُ الْفَرِيضَةُ، الَّتِي هِيَ مِنْ آكَدِ الْفُرُوضِ.
﴿إِِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى، وَأَنَّ مِنْ آثَرَ الدُّنْيَا عَلَى الدِّيْنِ، فَقَدْ خَسَّرَ الْخِسَارَةَ الْحَقِيقِيَّةَ، مِنْ حَيْثُ ظَنَّ أَنَّهُ يُرْبَحُ، وَهَذَا الْأَمْرُ بِتَرْكِ الْبَيْعِ مُؤَقَّتُ مُدَّةِ الصَّلَاةِ.
﴿فَإِِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ﴾ لطَلَبِ الْمُكَاسِبِ وَالتِّجَارَاتِ وَلَمَّا كَانَ الِاشْتِغَالُ فِي التِّجَارَةِ، مَظِنَّةُ الْغَفْلَةِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، أَمْرَ اللَّهُ بِالْإِكْثَارِ مِنْ ذِكْرِهِ، فَقَالَ: ﴿وَاذِْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ أَيُّ فِي حَالِ قِيَامِكُمْ وَقُعُودُكُمْ وَعَلَى جُنُوبِكُمَ، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فإِنَّ الإِكْثَارَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أَكْبَرُ أَسْبَابِ الْفَلَّاَحِ.
﴿وَإِِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِِلَيْهَا﴾ أيُّ: خَرَجُوا مِنَ الْمَسْجِدِ، حَرْصًَا عَلَى ذَلِكَ اللَّهْوِ، وَ[تِلكَ] التِّجَارَةَ، وَتَرَكُوا الْخَيْرَ، ﴿ُوَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ تَخْطَبُ النَّاسِ، وَذَلِكَ [فِي] يَوْمَ جُمُعَةَ، بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ النَّاسَ، إِذْ قَدَّمَ الْمَدِينَةَ، عِيرَ تَحْمِلُ تِجَارَةً، فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ بِهَا، وَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ، انْفَضُوا مِنَ الْمَسْجِدِ، وَتَرَكُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ اسْتِعْجَالًا لِمَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَعْجِلَ لَهُ، وَتَرَكَ أَدَبَ، ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ مِن الأَجْرِ وَالثَّوَابِ، لِمَنْ لَازَمَ الْخَيْرَ وَصَبْرَ نَفْسِهِ عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ.
﴿خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾ التِيِّ، وإِنْ حَصَلَ مِنْهَا بَعْضُ الْمَقَاصِدِ، فَإِنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ مُنْغِصٍ، مُفَوِّتٌ لِخَيْرِ الْآخِرَةِ، وَلَيْسَ الصَّبْرُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ مُفَوِّتًًا لِلرِّزْقِ، فَإِنَّ اللَّهَ خَيْرَ الرَّازِقِينَ، فَمَنْ اتَّقَى اللَّهُ رِزْقَهُ مِنْ حَيْثُ لَاَ يَحْتَسِبُ.
وَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ فَوَائِدُ عَدِيدَةً:
مِنْهَا: أَنَّ الْجُمُعَةَ فَرِيضَةٌ عَلَى جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ، يَجِبُ عَلَيْهِمُ السَّعْيُ لَهَا، وَالْمُبَادَرَةُ وَالِاهْتِمَامُ بِشَأْنِهَا.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْخُطْبَتَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَرِيضَتَانِ (١) يَجِبُ حُضُورُهُمَا، لِأَنَّهُ فَسَّرَ الذَّكَرِ هُنَا بِالْخُطْبَتَيْنِ، فَأَمَرَ اللَّهُ بِالْمُضِيِّ إِلَيْهِ وَالسَّعْيِ لَهُ.
وَمِنْهَا: مَشْرُوعِيَّةُ النِّدَاءِ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَالْأَمْرِ بِهِ.
وَمِنْهَا: النَّهْىُ عَنِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، بَعْدُ ⦗٨٦٤⦘ نداء الجُمُعَةُ، وَتَحْرِيمُ ذَلِكَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّهُ يَفُوتُ الْوَاجِبُ وَيَشْغَلُ عَنْهُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ وَلَوْ كَانَ مُبَاحًًا فِي الْأَصْلِ، إِذَا كَانَ يَنْشَأُ عَنْهُ تَفْوِيتٌ وَاجِبً، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي تِلْكَ الْحَالِ.
وَمِنْهَا: الْأَمْرُ بِحُضُورِ الْخُطْبَتَيْنِ (٢) يَوْم الْجُمُعَةِ، وَذَمّ مَنْ لَمْ يَحْضُرْهُمَا، وَمَنْ لَازِمَ ذَلِكَ الْإِنْصَاتِ لَهُمَا.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ الْمُقْبِلِ عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَقْتَ دَوَاعِي النَّفْسِ لِحُضُورِ اللَّهْوِ [وَالتِّجَارَاتِ] وَالشَّهَوَاتِ، أَنْ يَذْكُرَهَا بِمَا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْخَيْرَاتِ، وَمَا لِمُؤَثِّرٍ رِضَاهُ عَلَى هَوَاهُ.
تم تَفْسِيرُ سُورَةِ الْجُمُعَةِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالثَّنَاءُ (٣)
تفسِيرُ سورَةُ الْمُنَافِقِينَ (٤)
مدنِيَّة
1 (١) في ب: فريضة. (٢) كذا في ب، وفي أ: الخطبة. (٣) في ب: بمن الله وعونه والحمد لله رب العالمين. (٤) كذا في النسختين
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout