يَأْمُرُ تَعَالَى عِبَادُهُ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا يُوجِبُهُ الْإِيمَانُ وَيَقْتَضِيهِ مِنْ لُزُومِ تَقَوَاهُ، سِرًّا وَعَلاَنِيَةً، فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَأَنْ يُرَاعُوا مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ أَوَامِرِهِ وَشَرَائِعِهِ وَحُدُودِهِ، وَيَنْظُرُوا مَا لَهُمْ وَمَا عَلَيْهِمْ، وَمَاذَا حَصَلُوا عَلَيْهِ مِنْ الْأَعْمَالِ الَّتِي تَنْفَعُهُمْ أَوْ تَضُرُّهُمْ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّهُمْ إِذَا جَعَلُوا الْآخِرَةَ نَصَبَ أَعْيُنَهُمْ وَقِبْلَةُ قُلُوبِهِمْ، وَاهْتَمُّوا بِالْمَقَامِ بِهَا، اجْتَهَدُوا فِي كَثْرَةِ الْأَعْمَالِ الْمُوَصِّلَةِ إلَيْهَا، وَتَصْفِيْتُهَا مِنْ الْقَوَاطِعِ وَالْعَوَائِقِ الَّتِي تُوَقَّفُهُمْ عَنْ السِّيْرِ أَوْ تَعَوَّقِهِمْ أَوْ تَصَرُّفِهِمْ، وَإِذَا عَلِمُوا أَيْضًا، أَنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ، لَا تَخْفَى عَلَيْهِ أَعْمَالُهُمْ، وَلَا تُضِيعُ لَدَيْهِ وَلَا يَهْمَلُهَا، أَوْجَبَ لَهُمْ الْجَدُّ وَالِاجْتِهَادُ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ أَصْلٌ فِي مُحَاسَبَةِ الْعَبْدِ نَفْسِهُ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَفَقَّدَهَا، فَإِنْ رَأَى زَلَلًا تَدَارِكَهُ بِالْإِقْلَاعِ عَنْهُ، وَالتَّوْبَةُ النُّصُوحَ، وَالْإِعْرَاضُ عَنْ الْأَسْبَابِ الْمُوَصِّلَةِ إلَيْهِ، وَإِنْ رَأَى نَفْسَهُ مُقَصِّرًا فِي أَمْرٍ مِنْ أَوَامِرِ اللَّهَ، بَذْلَ جَهْدَهِ وَاسْتَعَانَ بِرَبِّهِ فِي تَكْمِيلِهِ وَتَتْمِيمِهِ، وَإِتْقَانِهِ، وَيُقَايِسُ بَيْنَ مِنْنِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِحْسَانُهُ وَبَيْنَ تَقْصِيرِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ لَهُ الْحَيَاءُ بِلَا مُحَالَةَ.
وَالْحِرْمَانِ كُلُّ الْحِرْمَانِ، أَنْ يَغْفِلَ الْعَبْدُ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ، وَيُشَابِهُ قَوْمًا نَسُوا اللَّهَ وَغَفَلُوا عَنْ ذِكْرِهِ وَالْقِيَامِ بِحَقِّهِ، وَأَقْبَلُوا عَلَى حُظُوظِ أَنْفُسِهِمْ وَشَهَوَاتِهَا، فَلَمْ يَنْجِّحُوا، وَلَمْ يَحْصُلُوا عَلَى طَائِلٍ، بَلْ أَنْسَاهُمُ اللَّهُ مَصَالِحُ أَنْفُسِهِمْ، وَأَغْفَلُهُمْ عَنْ مَنَافِعِهَا وَفَوَائِدِهَا، فَصَارَ أَمْرُهُمْ فَرْطًا، فَرَجَعُوا بِخِسَارَةِ الدَّارَيْنِ، وَغَبِنُوا غَبْنًا، لَا يُمْكِنُهُمْ تَدَارُكُهُ، وَلَا يُجْبَرُ كَسْرُهُ، لِأَنَّهُمْ هُمْ الْفَاسِقُونَ، الَّذِينَ خَرَجُوا عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِمْ وَأَوْضَعُوا فِي مَعَاصِيهِ، فَهَلْ يَسْتَوِي مِنْ حَافِظٍ عَلَى تَقْوَى اللَّهِ وَنَظَرَ لِمَا قَدِمَ لَغَدَهُ، فَاسْتُحَقَّ جَنَّاتُ النَّعِيمِ، وَالْعَيْشِ السَّلِيمِ - مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينِ وَالصِّدِّيقَيْنِ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ - وَمَنْ غَفَلَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَنَسِيَ حُقُوقِهُ، فَشَقِيَ فِي الدُّنْيَا، وَاسْتَحَقَّ الْعَذَابُ فِي الْآخِرَةِ، فَالْأَوَّلُونَ هُمْ الْفَائِزُونَ، وَالْآخَرُونَ هُمْ الْخَاسِرُونَ.
وَلَمَّا بَيْنَ تَعَالَى لِعِبَادِهِ مَا بَيْنَ، وَأَمَرَهُمْ (١) وَنَهَاهُمْ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، كَانَ هَذَا مُوجِبًا لِأَنْ يُبَادِرُوا إِلَى مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ وَحَثَهُمَ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانُوا فِي الْقِسْوَةِ وَصَلَابَةِ الْقُلُوبِ كَالْجِبَالِ الرَّوَاسِيِّ، فَإِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ لَوْ أَنْزَلَهُ عَلَى جَبَلٍ لِرَأَيْتِهِ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ أَيْ: لِكَمَالِ تَأْثِيرِهِ فِي الْقُلُوبِ، فَإِنَّ مَوَاعَظَ الْقُرْآنِ أَعْظَمُ الْمَوَاعِظَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَأَوَامِرِهُ وَنَوَاهِيهِ مَحْتَوِيَةٌ عَلَى الْحُكْمِ وَالْمَصَالِحِ الْمَقْرُونَةِ بِهَا، وَهِيَ مِنْ أَسْهَلِ شَيْءٌ عَلَى ⦗٨٥٤⦘ النفوس، وَأَيْسَرُهَا عَلَى الأَبْدَانِ، خَالِيَةٌ مِنَ التَّكَلُّفِ (٢) لَا تَنَاقُضُ فِيهَا وَلَا اخْتِلَافَ، وَلَا صُعُوبَةَ فِيهَا وَلَا اعْتِسَافً، تَصْلُحُ لِكُلِّ زَمَانٍ وَمَكَان، وَتَلِيقٌ لِكُلِّ أَحَدٍ.
ثُم أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ يَضْرِبُ لِلنَّاسِ الْأَمْثَالِ، وَيُوَضِّحُ لِعِبَادِهِ فِي كِتَابِهِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، لِأَجْلِ أَنْ يَتَفَكَّرُوا فِي آيَاتِهِ وَيَتَدَبَّرُوهَا، فَإِنَّ التَّفَكُّرَ فِيهَا يَفْتَحُ لِلْعَبْدِ خَزَائِنُ الْعِلْمِ، وَيُبَيِّنُ لَهُ طُرُقُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَيَحِثُّهُ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَمَحَاسِنِ الشَّيْمِ، وَيَزْجِرُهُ عَنْ مَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ، فَلَا أَنْفَعُ لِلْعَبْدِ مِنْ التَّفَكُّرِ فِي الْقُرْآنِ وَالتَّدَبُّرِ لِمَعَانِيهِ.
1 (١) في ب: وأمر عباده ونهاهم. (٢) كذا في ب، وفي أ: وأقلها تكلفا.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout