فَإِنَّهُمْ إِذْ ذَاكَ رُبَّمَا يَحْصُلُ مِنْهُمْ امْتِنَاعً، اعْتِمَادًا [عَلَى] حُصُونَهُمْ وَجَدْرُهُمْ، لَاَ شَجَاعَةَ بِأَنْفُسِهِمْ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الذِّمَّ، ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ أي: بَأَسَهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ، لَاَ آفَةَ فِي أَبْدَانِهِمْ وَلَاَ فِي قُوتِهِمْ، وَإِنَّمَا الْآفَةُ فِي ضَعْفِ إِيمَانِهِمْ وَعَدَمِ اجْتِمَاعِ كَلِمَتِهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا﴾ حِينَ تَرَاهُمْ مُجْتَمِعِينَ وَمُتَظَاهِرِينَ.
﴿و﴾ لَكِنْ ﴿قُلُوبَهُمْ شَتَّى﴾ أَيْ: مُتَبَاغَضَةً مُتَفَرِّقَةً مُتَشَتَتَةً.
﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي أَوْجَبُ لَهُمْ اتِّصَافُهُمْ بِمَا ذُكِرَ ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ أَيِّ: لاَ عَقِلُ عِنْدَهُمْ، وَلَاَ لَبَّ، فَإِنَّهُمْ لَوْ ⦗٨٥٣⦘ كانت لهُم عقُول، لِآثَرُوا الْفَاضِلِ عَلَى الْمَفْضُولِ، وَلَمَّا رَضُوا لِأَنْفُسِهِمْ بِأَبْخَسِ الْخُطْتَيْنِ، وَلَكَانَتْ كَلِمَتُهُمْ مُجْتَمِعَةً، وَقُلُوبُهُمْ مُؤْتَلِفَةٌ، فَبِذَلِكَ يَتَنَاصَرُونَ وَيَتَعَاضَدُونَ، وَيَتَعَاوَنُونَ عَلَى مَصَالِحِهِمْ وَمَنَافِعِهِمْ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ.
مِثْلُ هَؤُلَاَءِ الْمَخْذُولِيْنَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، الَّذِينَ انْتَصَرَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ مِنْهُمْ، وَأَذَاقَهُمْ الْخَزِّيُّ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَعَدَمُ نَصْرِ مِنْ وَعْدِهِمْ بِالْمُعَاوَنَةِ ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا﴾ وهُمْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ الَّذِينَ زَيْنٌ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالُهُمْ، وَقَالَ: ﴿لاَ غََالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ [وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ]﴾ الآيَة.
فغُرَّتُهُمْ أَنْفُسُهُمْ، وَغَرَّهُمْ مِنْ غَرِّهِمَ، الَّذِينَ لَمْ يَنْفَعُوهُمْ، وَلَمْ يَدْفَعُوا عَنْهُمْ الْعَذَابَ، حَتَّى أَتَوْا "بَدْرًا" بِفَخْرِهِمْ وَخُيَلَاَئِهِمْ، ظَانِينَ أَنَّهُمْ مُدْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ وَالْمُؤْمِنِينَ أَمَانِيهِمْ.
فَنَصَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ، فَقَتَلُوا كِبَارَهُمْ وَصَنَادِيدُهُمْ، وَأَسَرُوا مَنْ أُسَرُوا مِنْهُمْ، وَفَرَ مِنْ فَرّ، وَذَاقُوا بِذَلِكَ وَبَالُ أَمْرِهُمْ وَعَاقِبَةُ شِرْكِهِمْ وَبَغْيِهِمْ، هَذَا فِي الدُّنْيَا، ﴿وَلَهُمْ﴾ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ.
وَمِثْلُ هَؤُلاَءِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ غَرُّوا إِخْوَانَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ للإِنْسَانِ اكْفُرْ﴾ أَيِّ: زَيْنُ لَهُ الْكُفْرُ وَحَسَّنُهُ وَدَعَاهُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اغْتَرَّ بِهِ وَكُفْرَ، وَحَصَلَ لَهُ الشِّقَاءُ، لَمْ يَنْفَعْهُ الشَّيْطَانُ، الَّذِي تَوَلَّاهُ وَدَعَاهُ إِلَى مَا دَعَاهُ إِلَيْهِ، بَلْ تَبَرَّأُ مِنْهُ وَ﴿قَِالَ إِِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: ليْسَ لِي قُدْرَةُ عَلَى دَفْعِ الْعَذَابِ عَنْكَ، وَلَسْتُ بِمُغْنٍ عَنْكَ مِثْقَالُ ذُرَّةٍ مِنْ الْخَيْرِ.
1 (١) في ب: على قتالكم.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout