وَحَسَبَ مِنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْفَضْلِ أَنْ يَسِيرَ خَلْفَهُمْ، وَيَأْتُمُّ بِهَدَاهُمَ، وَلِهَذَا ذَكَرَ اللَّهُ مِنْ اللَّاحِقِينَ، مَنْ هُوَ مُؤْتَمٌّ بِهِمْ وَسَائِرِ خَلْفِهِمْ فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أَيِّ: مَنْ بَعْدَ الْمُهَاجِرِينَ ⦗٨٥٢⦘ والأَنْصَارُ ﴿ِيَقُولُونَ﴾ عَلِى وَجْهِ النَّصْحِ لِأَنْفُسِهِمْ وَلِسَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾
وهَذَا دُعَاءُ شَامِلٌ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ، السَّابِقِيْنَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ قَبْلَهِمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَهَذَا مِنْ فَضَائِلِ الْإِيمَانِ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَنْتَفِعُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَيَدْعُو بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، بِسَبَبِ الْمُشَارَكَةِ فِي الْإِيمَانِ الْمُقْتَضِي لِعَقْدِ الْأُخُوَّةِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ (١) الّتِي مِنْ فُرُوعِهَا أَنْ يَدْعُوَ بَعْضَهُمْ لِبَعْضٍ، وَأَنْ يُحِبَّ بَعْضُهُمْ بَعْضَا.
وَلِهَذَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي الدُّعَاءِ نَفْيُ الْغِلِّ عَنْ الْقَلْبِ، الشَّامِلِ لِقَلِيلِ الْغِلِّ وَكَثِيرِهِ (٢)، الّذِي إِذا انْتَفَى ثَبَتَ ضِدُّهُ، وَهُوَ الْمَحَبَّةُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُوَالَاةِ وَالنُّصْحِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مِنْ حُقُوقِ الْمُؤْمِنِينَ.
فَوَصْفَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ الصَّحَابَةِ بِالإِيمَانِ، لِأَنَّ قَوْلَهُمْ: ﴿سَبَقُونَا بِالإِيمَِانِِ﴾ دَلِيلُ عَلَى الْمُشَارَكَةِ فِي الإِيمَانِ (٣)، وأَنَّهُمْ تَابِعُونَ لِلصَّحَابَةِ فِي عَقَائِدِ الْإِيمَانِ وَأُصُولِهِ، وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، الَّذِينَ لَا يُصَدَّقُ هَذَا الْوَصْفُ التَّامُّ إِلَّا عَلَيْهِمْ، وَوَصَفَهُمْ بِالْإِقْرَارِ بِالذُّنُوبِ وَالِاسْتِغْفَارِ مِنْهَا، وَاسْتِغْفَارُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وَاجْتِهَادُهُمْ فِي إزَالَةِ الْغَلِّ وَالْحَقْدِ عَنْ قُلُوبِهِمْ لِإِخْوَانِهِمْ الْمُؤْمِنِينَ، لِأَنَّ دُعَاءَهُمْ بِذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِمَا ذَكَرْنَا، وَمُتَضَمِّنٌ لِمَحَبَّةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَأَنْ يُحِبَّ أَحَدُهُمْ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَأَنْ يَنْصِحَ لَهُ حَاضِرًا وَغَائِبًا، حَيًّا وَمَيِّتًا، وَدَلَّتْ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ [عَلَى] أَنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ حُقُوقِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، ثُمَّ خَتَمُوا دُعَاءَهُمْ بِاسْمَيْنِ كَرِيمَيْنِ، دَالَيْنِ عَلَى كَمَالِ رَحْمَةِ اللَّهِ وَشِدَّةِ رَأْفَتِهِ وَإِحْسَانِهِ بِهِمْ، الَّذِي مِنْ جُمْلَتِهِ، بَلْ مِنْ أَجْلِهِ، تَوْفِيقُهُمْ لِلْقِيَامِ بِحُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ.
فَهَؤُلَاَءِ الأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ هُمْ أَصْنَافُ هَذِهِ الْأَمَةِ، وَهُمْ الْمُسْتَحِقُّونَ لِلْفَيْءِ الَّذِي مَصْرِفُهُ رَاجِعٌ إِلَى مَصَالِحِ الإِسْلَاَمِ.
وَهَؤُلاَءِ أَهْلُهُ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهُ، جَعَلْنَا اللَّهُ مِنْهُمْ، بِمِنِّهُ وَكَرَّمِهُ.
ثُم تَعْجِبُ تَعَالَى مِنْ حَالِ الْمُنَافِقِينَ، الَّذِينَ طَمِعُوا إِخْوَانَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فِي نُصْرَتِهِمْ، وَمُوَالَاَتِهِمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ لَهُمْ: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا﴾ أَيُّ: لا نُطِيعُ فِي عَدَمِ نُصْرَتِكُمْ أَحَدًا يُعْذِّلُنَا أَوْ يَخُوِّفُنَا، ﴿وَإِِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في هَذَا الْوَعْدُ الَّذِي غَرُوا بِهِ إِخْوَانَهُمْ.
وَلاَ يَسْتَكْثِرُ هَذَا عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ الْكَذِبَ وَصْفَهُمْ، وَالْغُرُورُ وَالْخِدَاعُ مُقَارِنُهُمْ، وَالنِّفَاقُ وَالْجُبْنُ يَصْحِبُهُمْ، وَلِهَذَا كَذَّبَهُمْ [اللَّه] بِقَوْلِهِ، الَّذِي وُجِدَ مُخْبِرُهُ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ، وَوَقَعَ طَبْقُ مَا قَالَ، فَقَالَ: ﴿لَئِنْ أَُخْرِجُوا﴾ مِنَ دِيَارِهِمْ جَلاَءُ وَنَفْيًا ﴿لاَ يََخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ لمَحَبَتِهِمْ لِلْأَوْطَانِ، وَعَدَمِ صَبْرِهِمْ عَلَى الْقِتَالِ، وَعَدَمِ وَفَائِهِمْ بِوَعْدِهِمْ (٤) .
﴿وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ بَلْ يَسْتَوْلِي عَلَيْهِمْ الْجُبْنَ، وَيَمْلِكُهُمْ الْفَشَلُ، وَيَخْذُلُونَ إِخْوَانَهُمْ، أَحْوَجُ مَا كَانُوا إِلَيْهِمْ.
﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ على الفرض والتَّقْدِيرُ (٥) ﴿لَيُوَلُّنَّ الأدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ أَيِّ: لَيَحْصُلُ مِنْهُمُ الإِدْبَارُ عَنِ الْقِتَالِ وَالنُّصْرَةِ، وَلَاَ يَحْصُلُ لَهُمْ نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ.
وَالسَّبَبِ الَّذِي أَوْجَبَ لَهُمْ ذَلِكَ (٦) أَنّكُمْ - أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ - ﴿أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ فَخَافُوا مِنْكُمْ أَعْظَمُ مِمَّا يَخَافُونَ اللَّهَ، وَقَدِمُوا مَخَافَةَ الْمَخْلُوقِ الَّذِي لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ نَفْعًا وَلَا ضِرًّا، عَلَى مَخَافَةِ الْخَالِقِ، الَّذِي بِيَدِهِ الضِّرُّ وَالنَّفْعُ، وَالْعَطَاءُ وَالْمَنْعَ.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ مَرَاتِبُ الأُمُورِ، وَلَا يَعْرِفُونَ حَقَائِقَ الْأَشْيَاءِ، وَلَا يُتَصَوَّرُونَ الْعَوَاقِبَ، وَإِنَّمَا الْفِقْهُ كُلُّ الْفِقْهِ، أَنْ يَكُونَ خَوْفُ الْخَالِقِ وَرِجَاؤُهُ وَمَحَبَّتُهُ مُقَدَّمَةً عَلَى غَيْرِهَا، وَغَيْرِهَا تَبَعًا لَهَا.
1 (١) كذا في ب، وفي أ: للمؤمنين. (٢) في ب: لقليله وكثيره. (٣) في ب: المشاركة فيه. (٤) في ب: بالوعد. (٥) كذا في ب، وفي أ: على ضرب المثل. (٦) في ب: حملهم على ذلك.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout