وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ ﴿شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وعَادُوهُمَا وَحَارِبُوهُمَا، وَسَعُوا فِي مَعْصِيَتِهِمَا.
وَهَذِهِ عَادَتُهُ وَسُنَّتُهُ فِيمَنْ شَاقَهُ ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
ولما لامَ بَنُو النَّضِيْرِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ فِي قَطْعِ النَّخِيلِ وَالأَشْجَارِ، وَزَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْفَسَادِ، وَتَوَصَّلُوا بِذَلِكَ (١) إِلَى الطَّعْنِ بِالْمُسْلِمِينَ، أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ قَطْعَ النَّخِيلِ إِنْ قَطَعُوهُ أَوْ إِبْقَاءَهُمْ إِيَّاهُ إِنْ أَبْقُوهُ، إِنَّهُ بِإِذْنِهِ تَعَالَى، وَأَمَرَهُ ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ حَيْثُ سُلطُكُمْ عَلِى قَطْعِ نَخْلِهِمْ، وَتَحْرِيقُهَا، لِيَكُونَ ذَلِكَ نِكَالًا لَهُمْ، وَخُزْيَا فِي الدُّنْيَا، وَذَلا يُعْرَفُ بِهِ عَجْزَهُمْ التَّامِّ، الَّذِي مَا قَدَرُوا عَلَى اسْتِنْقَاذِ نَخْلِهِمْ، الَّذِي هُوَ مَادَّةُ قُوتِهِمْ. وَاللَّيِّنَةُ: اسْمٌ يَشْمَلُ سَائِرَ النَّخِيلِ عَلَى أَصَحِّ الِاحْتِمَالَاتِ وَأَوْلَاهَا، فَهَذِهِ حَالُ بَنِي النَّضِيرِ، وَكَيْفَ عَاقِبُهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا.
ثم ذَكَرَ مَنْ انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ أَمْوَالُهُمْ وَأَمْتِعْتُهُمْ، فَقَالَ: ﴿وَمَا أََفََاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ أَيِّ: مَنْ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ، وَهُمْ بَنُو النَّضِيْرِ.
﴿فـ﴾ إِنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ ﴿مَا أََوَْجَِفْتُمْ﴾ أَي: مَا أَجْلَبْتُمْ وَأَسْرَعْتُمْ وَحَشَدْتُمْ، ﴿عََلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ أَيُّ: لَمْ تَتَعَبُوا بِتَحْصِيلِهَا، لَاَ بِأَنْفُسِكُمْ وَلَاَ بِمَوَاشِيكُمَ، بَلْ قَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ الرَّعْبَ، فَأَتَتْكُمْ صَفُّوا عَفْوًا، وَلِهَذَا. قَالَ: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ مَنْ تَمَامَ قُدْرَتِهِ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ مِنْهُ (٢) مُمْتَنِعً، وَلَا يَتَعَزَّزُ مِنْ دُونِهِ قَوِيًّ. وَتَعْرِيفُ الْفَيْءِ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ: هُوَ مَا أَخَذَ مِنْ مَالِ الْكُفَّارِ بِحَقٍّ، مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، كَهَذَا الْمَالِ الَّذِي فَرَوْا وَتَرَكُوهُ خَوْفًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَسُمِّيَ فَيْئًا، لِأَنَّهُ رَجَعَ مِنْ الْكُفَّارِ الَّذِينَ هُمْ غَيْرُ مُسْتَحِقِّينَ لَهُ، إِلَى الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَهُمْ الْحَقُّ الْأَوْفَرُ فِيهِ.
وَحُكْمُهُ الْعَامِّ، كَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ ﴿مَا أََفََاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ عموما، سَوَاءُ أَفَاءُ اللَّهِ فِي وَقْتِ رَسُولِهِ أَوْ بَعْدَهُ، لِمَنْ يَتَوَلَّى مِنْ بَعْدَهُ أَمَتَهُ (٣) .
فهَذا الفَيْءُ يُقْسِمُ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ:
خَمُسَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ [العَامَةِ]، وَخَمْسَ لِذَوِي الْقُرْبَىِّ، وَهُمَ: بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ، حَيْثُ كَانُوا يُسَوَى [فِيهِ] بَيْنَ، ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ، وَإِنَّمَا دَخَلَ بَنُو الْمُطَّلِبِ فِي خَمُسِ الْخُمْسِ، مَعَ بَنِي هَاشِمٍ، وَلَمْ يَدْخُلْ بَقِيَّةَ بَنِي عَبْدٍ مُنَافٍ، لِأَنَّهُمْ شَارِكُوا بَنِي هَاشِمٍ فِي دُخُولِهِمْ الشَّعْبَ، حِينَ تَعَاقَدَتْ قُرَيْشٌ عَلَى هَجْرِهِمْ وَعَدَاوَتِهِمْ (٥) فَنَصَرُوا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم، بِخِلَاَفِ غَيْرِهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم، فِي بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: "إِنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونِي فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَاَ إِسْلاَمَ"
وَخَمْسٍ لِفُقَرَاءِ الْيَتَامَى، وَهُمَ: مَنْ لَاَ أَبَ لَهُ وَلَمْ يَبْلُغْ، وَخَمْسَ لِلْمَسَاكِينَ، وَسَهْمٍ لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ، وَهُمْ الْغُرَبَاءُ ⦗٨٥١⦘ الْمُنْقَطِعُ بِهِمْ فِي غَيْرِ أَوْطَانِهِمَ.
وَإِنَّمَا قَدَّرَ اللَّهُ هَذَا التَّقْدِيرَ، وَحَصَرَ الْفَيْءُ فِي هَؤُلَاءِ الْمُعَيَّنِينَ لـ ﴿كََيْ لاَ يََكُونَ دُولَةً﴾ أَيِّ: مَدْوَالَةُ وَاخْتِصَاصًا ﴿بََيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَقَدِرْهُ، لِتَدَاوَلَتِهِ الْأَغْنِيَاءِ الْأَقْوِيَاءِ، وَلَمَّا حَصَلَ لِغَيْرِهِمْ مِنَ الْعَاجِزِينَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَفِي ذَلِكَ مِنْ الْفَسَادِ، مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّاَّ اللَّهُ، كَمَا أَنَّ فِي اتِّبَاعِ أَمْرِ اللَّهِ وَشَرْعِهِ مِنْ الْمَصَالِحِ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحَصْرِ، وَلِذَلِكَ أَمَرَ اللَّهُ بِالْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ وَالْأَصْلُ الْعَامِّ، فَقَالَ: ﴿وَمَا آتََاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وهَذَا شَامِلٌ لِأُصُولِ الدِّيْنِ وَفُرُوعُهُ، ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ، وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْعِبَادِ الْأَخْذَ بِهِ وَاتِّبَاعُهُ، وَلَا تَحِلُّ مُخَالَفَتُهُ، وَأَنَّ نَصَّ الرَّسُولِ عَلَى حُكْمِ الشَّيْءِ كَنَصِّ اللَّهِ تَعَالَى، لَا رُخْصَةَ لِأَحَدٍ وَلَا عُذْرَ لَهُ فِي تَرْكِهِ، وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ قَوْلِ أَحَدٍ عَلَى قَوْلِهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِتَقَوَّاهُ الَّتِي بِهَا عِمَارَةُ الْقُلُوبِ وَالْأَرْوَاحِ [وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ]، وَبِهَا السَّعَادَةُ الدَّائِمَةُ وَالْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَبِإِضَاعَتِهَا الشِّقَاءُ الْأَبْدِيُّ وَالْعَذَابُ السَّرْمَدِيُّ، فَقَالَ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ عَلى مَنَّ تَرَكَ التَّقْوَى، وَآثَرُ اتِّبَاعِ الْهَوَىِّ.
﴿٨﴾ ثُمّ ذَكِرَ تَعَالَى الْحِكْمَةُ وَالسَّبَبُ الْمُوجِبَ لِجَعَلِهِ تَعَالَى الْأَمْوَالَ أَمْوَالَ الْفَيْءِ لِمَنْ قَدَّرَهَا لَهُ، وَأَنَّهُمْ حَقِيقُونَ بِالْإِعَانَةِ، مُسْتَحِقُّونَ لَأَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ، وَأَنَّهُمْ مَا بَيْنَ مُهَاجِرِينَ قَدْ هَجَرُوا الْمَحْبُوبَاتِ وَالْمَأْلُوفَاتِ، مِنْ الدِّيَارِ وَالْأَوْطَانِ وَالْأَحْبَابِ وَالْخَلَّانِ وَالْأَمْوَالِ، رَغْبَةٌ فِي اللَّهِ وَنُصْرَةٍ لِدِينِ اللَّهِ، وَمَحَبَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ، فَهَؤُلَاءِ هُمْ الصَّادِقُونَ الَّذِينَ عَمِلُوا بِمُقْتَضَى إِيمَانِهِمْ، وَصَدَّقُوا إِيمَانَهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ الصَّالِحَةِ وَالْعِبَادَاتِ الشَّاقَّةِ، بِخِلَافِ مَنْ ادَّعَى الْإِيمَانَ وَهُوَ لَمْ يُصَدِّقْهُ بِالْجِهَادِ وَالْهِجْرَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْعِبَادَاتِ، وَبَيْنَ أَنْصَارٍ وَهُمْ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ الَّذِينَ آمَنُوا بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ طَوْعًا وَمَحَبَّةً وَاخْتِيَارًا، وَآوُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسلّم، وَمَنَعُوهُ مِنَ الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ، وَتَبَوأُوا دَارَ الْهِجْرَةِ وَالإِيمَانِ حَتَّى صَارَتْ مُوئِلًاً وَمَرْجِعًا يَرْجِعُ إِلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ، وَيَلْجَأُ إِلَيْهِ الْمُهَاجِرُونَ، وَيَسْكُنُ بِحَمَّاهُ الْمُسْلِمُونَ إِذْ كَانَتْ الْبُلْدَانِ كُلُّهَا بُلَدَانِ حَرْبٍ وَشِرِكٍ وَشَرٍّ، فَلَمْ يَزَلْ أَنْصَارُ الدَّيْنِ تَأْوِي إِلَى الأَنْصَارِ، حَتَّى انْتَشَرَ الْإِسْلَاَمُ وَقَوِي، وَجَعَلَ يَزِيدُ شَيْئًا شَيْئًا فَشَيْئًا، وَيَنْمُو قَلِيلًاً قَلِيلًا حَتَّى فَتَحُوا الْقُلُوبُ بِالْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ، وَالْبُلْدَانِ بِالسَّيْفِ وَالسِّنَانِ.
الَّذِينَ مِنْ جُمْلَةِ أَوْصَافِهِمْ الْجَمِيلَةِ أَنَّهُمْ ﴿ِيُحِِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ وهَذَا لمُحَبْتِهِمْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، أَحَبُّوا أَحْبَابُهُ، وَأَحَبُّوا مِنْ نَصْرِ دِيْنِهِ.
﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ أَيُّ: لاَ يُحْسُدُونَ الْمُهَاجِرِينَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَخَصَّهُمْ بِهِ مِنْ الْفَضَائِلِ وَالْمَنَاقِبِ الَّتِي هُمْ أَهْلُهَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى سَلَامَةِ صُدُورِهِمْ، وَانْتِفَاءِ الْغَلِّ وَالْحَقْدِ وَالْحَسَدِ عَنْهَا.
وَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ، أَفْضَلُ مِنْ الْأَنْصَارِ، لِأَنَّ اللَّهَ قَدَّمَهُمْ بِالذِّكَرِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ الْأَنْصَارَ لَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوْتُوْا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى آتَاهُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ الْأَنْصَارَ وَلَا غَيْرُهُمْ، وَلِأَنَّهُمْ جَمَعُوا بَيْنَ النُّصْرَةِ وَالْهِجْرَةِ.
وَقَوْله: ﴿وََيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ أي: ومَنْ أَوْصَافِ الأَنْصَارِ الَّتِي فَاقُوا بِهَا غَيْرَهُمْ، وَتَمَيَّزُوا بِهَا عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، الْإِيثَارُ، وَهُوَ أَكْمَلُ أَنْوَاعِ الْجُودِ، وَهُوَ الْإِيثَارُ بِمُحَابِ النَّفْسِ مِنْ الْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا، وَبَذْلِهَا لِلْغَيْرِ مَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا، بَلْ مَعَ الضَّرُورَةِ وَالْخُصَاصَةِ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا مَنْ خَلَقَ زَكِّيَ، وَمَحَبَّةً لِلَّهِ تَعَالَى مُقَدَّمَةً عَلَى مَحَبَّةِ شَهَوَاتِ النَّفْسِ وَلِذَاتِهَا، وَمِنْ ذَلِكَ قِصَّةُ الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي نَزَلَتْ الْآيَةُ بِسَبَبِهِ، حِينَ آثَرَ ضَيْفَهُ بِطَعَامِهِ وَطَعَامِ أَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ وَبَاتُوا جِيَاعًا، وَالْإِيثَارُ عَكْسُ الْأَثْرَةِ، فَالْإِيثَارُ مَحْمُودٌ، وَالْأَثْرَةُ مَذْمُومَةٌ، لِأَنَّهَا مِنْ خِصَالِ الْبَخْلِ وَالشَّحِّ، وَمَنْ رِزَقَ الْإِيثَارِ فَقَدْ وَقِيَ شَحَّ نَفْسِهِ ﴿َوَمَنْ يَُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وَوِقَايَةُ شَحِّ النَّفْسِ، يَشْمَلُ وِقَايَتَهَا الشَّحَّ، فِي جَمِيعِ مَا أُمَرَ بِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا وَقِيَ الْعَبْدُ شَحَّ نَفْسِهُ، سَمِحَتْ نَفْسَهُ بِأَوَامِرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَفِعَلَهَا طَائِعًا مِنْقَادًا، مُنْشَرِحًا بِهَا صَدْرُهُ، وَسَمِحَتْ نَفْسَهُ بِتَرْكِ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ مَحْبُوبًا لِلنَّفْسِ، تَدْعُو إِلَيْهِ، وَتَطْلُعُ إِلَيْهِ، وَسَمِحَتْ نَفْسَهُ بِبَذْلِ الْأَمْوَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْتِغَاءِ مَرْضَاتِهِ، وَبِذَلِكَ يَحْصُلُ الْفَلَاحُ وَالْفَوْزَ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يُوقِ شَحَّ نَفْسِهُ، بَلْ اُبْتُلِي بِالشَّحِّ بِالْخَيْرِ، الَّذِي هُوَ أَصْلُ الشَّرِّ وَمَادَّتِهُ، فَهَذَانِ (٦) الصنفان، الْفَاضِلانُ الزَّكْيَانُ هُمُ الصَّحَابَةُ الْكِرَامُ وَالأَئِمَّةُ الأَعْلَامُ، الَّذِينَ حَازُوا مِنَ السَّوَابِقِ وَالْفَضَائِلِ وَالْمَنَاقِبِ مَا سَبَقُوا بِهِ مِنْ بَعْدِهِمْ، وَأَدْرَكُوا بِهِ مِنْ قِبَلِهِمْ، فَصَارُوا أَعْيَانَ الْمُؤْمِنِينَ، وَسَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَادَاتِ الْمُتَّقِينَ (٧) .
1 (١) كذا في ب، وفي أ: به. (٢) في ب: عليه (٣) في ب: سواء كان في وقت الرسول أو بعده على من تولى من بعده من أمته. (٤) في ب: وهي. (٥) كذا في ب، وفي أ: حين تعاقد على هجرهم قريش وعداوتهم. (٦) كذا في ب، وفي أ: فهؤلاء. (٧) كذا في ب، وفي أ: المؤمنين.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout