أي كَذَبْتُ ثَمُودٌ وَهُمُ الْقَبِيلَةُ الْمَعْرُوفَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي أَرْضِ الْحَجْرِ، نَبِيُّهُمْ
صَالِحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ دَعَاهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنْذَرُهُمُ الْعِقَابُ إِنَّ هُمْ خَالَفُوهُ
فَكَذَّبُوهُ وَاسْتَكْبَرُوا عَلَيْهِ، وَقَالُوا -كِبْرًا وَتَيْهَا-: ﴿أََبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ أيِّ: كَيْفُ نَتْبِعُ بَشْرًا، لاَ مِلْكًا مِنَّا، لَاَ مِنْ غَيْرِنَا، مِمَّنْ هُوَ أَكْبَرُ عِنْدَ النَّاسِ مِنَّا، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ ﴿إِِنَّا إِذًا﴾ أَيّ: إِنْ اتَّبَعْنَاهُ وَهُوَ بِهَذِهِ الْحَالِ ﴿لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ أَيِّ: إِنَّا لضَالُونَ أَشْقِيَاءً، وَهَذَا الْكَلَاَمُ مِنْ ضَلاَلِهِمْ وَشِقَائِهِمْ، فَإِنَّهُمْ أَنْفُوا أَنْ يَتَّبِعُوا رَسُولًاً مِنَ الْبَشَرِ، وَلَمْ يَأْنِفُوا أَنْ يَكُونُوا عَابِدِيْنِ لِلشَّجَرِ وَالْحَجْرِ وَالصُّوَرِ.
﴿أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا﴾ أَيُّ: كَيْفَ يَخُصُّهُ اللَّهُ مِنْ بَيْنَنَا وَيَنْزِلُ عَلَيْهِ الذَّكَرُ؟ فَأَيُّ مَزِيَّةَ خَصِّهِ مِنْ بَيْنَنَا؟ وَهَذَا اعْتِرَاضٌ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ عَلَى اللَّهِ، لَمْ يَزَالُوا يَدُلُّونَ بِهِ، وَيَصُولُونَ وَيَجُولُونَ وَيَرُدُّونَ بِهِ دَعْوَةَ الرُّسُلِ، وَقَدْ أَجَابَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِ الرُّسُلِ لِأُمَمِهِمْ: ﴿قَالَتْ رُسْلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّاَّ بِشَرَ مِثْلِكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمَنْ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ فَالرُّسُلُ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِصِفَاتٍ وَأَخْلَاقٍ وَكَمَالَاتٍ، بِهَا صَلَحُوا لِرِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَالِاخْتِصَاصُ بِوَحْيِهِ،
وَمِنْ رَحْمَتِهِ وَحِكْمَتُهِ أَنْ كَانُوا مِنَ الْبَشَرِ، فَلَوْ كَانُوا مِنْ الْمَلَائِكَةِ لَمْ يُمْكِنْ الْبَشَرُ، أَنْ يَتَلِقُوا عَنْهُمْ، وَلَوْ جَعَلَهُمْ مِنْ الْمَلَائِكَةِ لِعَاجِلِ اللَّهِ الْمُكَذِّبِينَ لَهُمْ بِالْعِقَابِ الْعَاجِلِ.
وَالْمَقْصُودِ بِهَذَا الْكَلَامِ الصَّادِرِ مِنْ ثُمُودٍ لِنَبِيِّهِمْ صَالِحٌ، تَكْذِيبُهُ، وَلِهَذَا حَكَمُوا عَلَيْهِ بِهَذَا الْحُكْمِ الْجَائِرِ، فَقَالُوا: ﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ أَيُّ: كَثِيرُ الْكَذِبِ وَالشَّرُّ،
فَقَبْحَهُمُ اللَّهُ مَا أَسَفَهُ أَحْلَامَهُمْ وَأَظْلَمُهُمْ، وَأَشَدُّهُمْ مُقَابَلَةً لِلصَّادِقِينَ النَّاصِحِينَ بِالْخِطَابِ الشَّنِيعِ، لَاَ جَرْمَ عَاقِبُهُمُ اللَّهُ حِينَ اشْتَدَّ طُغْيَانُهُمْ
فَأَرْسَلَ اللَّهُ النَّاقَةَ الَّتِي هِيَ مِنْ أَكْبَرِ النَّعَمِ عَلَيْهِمْ، آيَةً مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَنِعْمَةٍ يَحْتَلِبُونَ مِنْ ضَرْعِهَا (١) مَا يَكْفِيهِمْ أَجْمَعِينَ، ﴿فِِتْنَةً لَهُمْ﴾ أي: اخْتِبَارًا مِنْهُ لَهُمْ وَامْتِحَانًا ﴿فََارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ﴾ أي: اصْبِرُّ عَلِى دَعَوْتِكَ إِيَّاهُمْ، وَارْتَقَبَ مَا يَحِلُّ بِهِمْ، أَوْ ارْتَقَبَ هَلْ يُؤْمِنُونَ أَوْ يَكْفُرُونَ؟
1 (١) في ب: درها.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout