﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [فإِن التَّقْوِى، مَحَلُّهَا الْقَلْبُ، وَاَللَّهِ هُوَ الْمُطَّلَعُ عَلَيْهِ، الْمَجَازِيُّ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ بُرٍّ وَتَقْوَى، وَأَمَّا النَّاسُ، فَلَاَ يَغْنُونَ عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا] .
⦗٨٢٢⦘
إلى آخَرَ السُّورَةِ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿أََفََرَأَيْتَ﴾ قَبح حَالَة مَنْ أَمَرَ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ وَتَوْحِيدِهِ، فَتُوَلَّى عَنْ ذَلِكَ وَأَعْرَضَ عَنْهُ؟
فَإِنْ سَمِحَتْ نَفْسَهُ بِبَعْضِ الشَّيْءِ، الْقَلِيلِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ، بَلْ يَبْخُلُ وَيُكْدَى وَيَمْنَعُ.
فَإِنَّ الْمَعْرُوفَ لَيْسَ سَجِيَّةً لَهُ وَطَبِيعَةً (١) بلْ طَبْعَهُ التَّوَلِّي عَنِ الطَّاعَةِ، وَعَدَمِ الثُّبُوتِ عَلَى فِعْلِ الْمَعْرُوفِ، وَمَعَ هَذَا، فَهُوَ يُزَكِّي نَفْسَهُ، وَيَنْزِلُهَا غَيْرُ مَنْزِلَتِهَا الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ بِهَا.
﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ الْغَيبُ وَيُخْبَرُ بِهِ، أَمْ هُوَ مُتَقَوِّلٌ عَلَى اللَّهِ، مُتَجَرِّئٌ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْإِسَاءَةِ وَالتَّزْكِيَةِ (٢) كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ، لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ عُلِمَ مِنْ الْغَيْبِ، وَأَنَّهُ لَوْ قَدَرَ أَنَّهُ ادَّعَى ذَلِكَ فَالْإِخْبَارَاتُ الْقَاطِعَةُ عَنْ عِلْمِ الْغَيْبِ الَّتِي عَلَى يَدِ النَّبِيِّ الْمَعْصُومِ، تَدُلُّ عَلَى نَقِيضٍ قَوْلِهُ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى بُطْلَانِهِ.
﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ﴾ هذا المُدَّعِي ﴿بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ أيِّ: قَامَ بِجَمِيعِ مَا ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِهِ، وَأَمَرَهُ بِهِ مِنْ الشَّرَائِعِ وَأُصُولُ الدِّيْنِ وَفُرُوعِهِ، وَفِي تِلْكَ الصَّحْفِ أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ مِنْ أَهَمِّهَا مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أََلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ أَيِّ: كُلِّ عَامِلٍ لَهُ عَمَلَهُ الْحَسَنُ وَالسَّيْئُ، فَلَيْسَ لَهُ مِنْ عَمَلِ غَيْرِهِ وَسَعْيِهِمْ شَيْءً، وَلَاَ يَتَحَمَّلُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ ذَنْبًا
﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ في الآخِرَةِ فَيُمَيِّزُ حَسَنَهُ مِنْ سَيِّئِهِ، ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأوْفَى﴾ أيِّ: الْمُسْتَكْمَلُ لِجَمِيعِ الْعَمَلِ الْحَسَنُ الْخَالِصُ بِالْحُسْنَى، وَالسَّيِّئُ الْخَالِصُ بِالسَّوْأَىِّ، وَالْمَشُوبِ بِحَسَبِهِ، جَزَاءٌ تَقَرُّ بِعَدْلِهِ وَإِحْسَانِهِ الْخَلِيقَةَ كُلِّهَا، وَتَحَمَّدُ اللَّهُ عَلَيْهِ، حَتَّى إِنَّ أَهْلَ النَّارِ لِيَدْخُلُونَ النَّارَ، وَإِنَّ قُلُوبَهُمْ مَمْلُوءَةٌ مِنْ حَمْدِ رَبِّهِمَ، وَالْإِقْرَارُ لَهُ بِكَمَالِ الْحِكْمَةِ وَمَقَّتُ أَنْفُسِهُمْ، وَأَنَّهُمْ الَّذِينَ أَوْصَلُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَوْرَدُوهَا شَرُّ الْمَوَارِدِ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ مَنْ يَرَى أَنَّ الْقُرْبَ لَاَ يُفِيدُ (٣) إِهْدَاؤُهَا لِلْأَحْيَاءِ وَلَا لِلْأَمْوَاتِ قَالُوا لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ مَا سَعَى﴾ فوصُول سَعي غَيْرُهُ إِلَيْهِ مُنَافٌ لِذَلِكَ، وَفِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْآيَةَ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى بِنَفْسِهِ، وَهَذَا حَقٌّ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِسَعْيِ غَيْرِهِ، إِذَا أَهْدَاهُ ذَلِكَ الْغَيْرُ لَهُ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ مِنْ الْمَالِ إِلَّاَّ مَا هُوَ فِي مِلْكِهِ وَتَحْتَ يَدِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ، أَنْ لَا يَمْلِكَ مَا وَهَبَهُ لَهُ الْغَيْرُ مِنْ مَالِهِ الَّذِي يَمْلِكُهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ أي: إلَيهِ تَنْتَهِي الأُمُورُ، وَإِلَيْهِ تَصِيرُ الْأَشْيَاءُ وَالْخَلَائِقُ بِالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَإِلَى اللَّهِ الْمُنْتَهَى فِي كُلِّ حَالٍ، فَإِلَيْهِ يَنْتَهِي الْعِلْمُ وَالْحُكْمُ، وَالرَّحْمَةُ وَسَائِرُ الْكَمَالَاتِ.
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ أي: هُو الَّذِي أَوْجَدُ أَسْبَابُ الضَّحِكِ وَالْبُكَاءِ، وَهُوَ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ، وَالْفَرْحُ وَالسُّرُورُ وَالْهُمُّ [وَالْحِزْنُ]، وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ فِي ذَلِكَ،
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ أَيُّ: هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالْإِيجَادِ وَالْإِعْدَامِ، وَاَلَّذِي أَوْجَدَ الْخَلْقَ وَأَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ، سَيُعِيدُهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، وَيُجَازِيهِمْ بِتِلْكَ الْأَعْمَالِ الَّتِي عَمِلُوهَا فِي دَارِ الدُّنْيَا.
1 (١) في ب: فإن الإحسان ليس سجية له وطبعا (٢) فتجرئ عليه جامع بين المحذورين الإساءة والتزكية. (٣) في ب: لا يجوز.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout