هذه الغايَة، التِي خَلقَ اللَّهُ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ لَهَا، وَبَعَثَ جَمِيعَ الرُّسُلِ يَدْعُونَ إِلَيْهَا، وَهِيَ عِبَادَتُهُ، الْمُتَضَمِّنَةُ لِمَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ، وَالْإِنَابَةُ إلَيْهِ وَالْإِقْبَالُ عَلَيْهِ، وَالْإِعْرَاضُ عَمَّا سِوَاهُ، وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ (١) مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ تَمَامَ الْعِبَادَةِ، مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْمَعْرِفَةِ بِاَللَّهِ، بَلْ كُلَّمَا ازْدَادَ الْعَبْدُ مَعْرِفَةً لِرَبِّهِ، كَانَتْ عِبَادَتُهُ أَكْمَلُ، فَهَذَا الَّذِي خَلَقَ اللَّهُ الْمُكَلَّفِينَ لِأَجْلِهِ، فَمَا خَلَقَهُمْ لِحَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْهِمْ.
فَمَا يُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا يُرِيدُ أَنْ يَطْمَعُوهُ، تَعَالَى اللَّهُ الْغَنِيَّ الْمُغْنِي عَنْ الْحَاجَةِ إِلَى أَحَدٍ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، وَإِنَّمَا جَمِيعُ الْخُلْقِ، فُقَرَاءٌ إلَيْهِ، فِي جَمِيعِ حَوَائِجِهِمْ وَمُطَالِبِهُمْ، الضَّرُورِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ أي: كثِيرُ الرِّزْقُ، الَّذِي مَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَاَ فِي السَّمَاءِ إِلَّاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقَهَا، وَيُعْلَمُ مُسْتَقِرُّهَا وَمُسْتَوْدَعُهَا، ﴿ذَُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ أي: الَّذِي لَهُ الْقُوَّةُ وَالْقُدْرَةُ كُلُّهَا، الَّذِي أَوْجَدَ بِهَا الأَجْرَامَ الْعَظِيمَةَ، السُّفْلِيَّةُ وَالْعَلَوِيَّةَ، وَبِهَا تَصَرُّفٌ فِي الظَّوَاهِرِ وَالْبَوَاطِنِ، وَنَفَّذَتْ مَشِيئَتُهُ فِي جَمِيعِ الْبَرِيَّاتِ، فَمَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَلَا يُعْجِزُهُ هَارِبٌ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ سُلْطَانِهِ أَحَدً، وَمِنْ قُوَّتِهِ، أَنَّهُ أَوْصَلُ رِزْقَهُ إِلَى جَمِيعِ الْعَالِمِ، وَمِنْ قُدَّرَتِهِ وَقُوَّتِهِ، أَنَّهُ يَبْعَثُ الْأَمْوَاتَ بَعْدَ مَا مَزَقَهُمُ الْبَلَىُّ، وَعَصَفَتْ بِتُرَابِهِمْ (٢) الرِّيَاح، وَابْتَلَعَتُهُمْ الطُّيُورُ وَالسِّبَاعُ، وَتَفَرَّقُوا وَتَمَزَّقُوا فِي مَهَامِهِ الْقَفَّارِ، وَلَجَجِّ الْبِحَارِ، فَلَا يَفُوتُهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَيُعْلَمُ مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ، فَسُبْحَانَ الْقَوِيِّ الْمَتِينَ.
1 (١) في ب: وذلك متوقف. (٢) في ب: عصفت بهم.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout