وهذا المِثلُ مَضْرُوبٌ لِمَنْ عَمِلَ عَمَلًا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ثُمَّ عَمِلَ أَعْمَالًا تَفْسِدُهُ، فَمِثْلُهُ كَمِثْلِ صَاحِبِ هَذَا الْبُسْتَانِ الَّذِي فِيهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ، وَخَصَّ مِنْهَا النَّخْلُ وَالْعِنَبُ لِفَضْلِهِمَا وَكَثْرَةِ مَنَافِعِهِمَا، لِكَوْنِهِمَا غِذَاءً وَقُوتًا وَفَاكِهَةٌ وَحُلْوَى، وَتِلْكَ الْجَنَّةَ فِيهَا (١) الأنْهَارُ الْجَارِيَةُ الَّتِي تُسْقِيهَا مِنْ غَيْرِ مُؤْنَةٍ، وَكَانَ صَاحِبُهَا قَدْ اُغْتَبَطَ بِهَا وَسُرَّتَهُ، ثُمَّ إنَّهُ أَصَابَهُ الْكِبْرُ فَضَعُفَ عَنْ الْعَمَلِ وَزَادَ حَرْصَهُ، وَكَانَ لَهُ ذُرِّيَّةُ ضُعَفَاءَ مَا فِيهِمْ مُعَاوَنَةٌ لَهُ، بَلْ هُمْ كُلٌّ عَلَيْهِ، وَنَفَقَتُهِ وَنَفَقَتِهِمْ مِنْ تِلْكَ الْجَنَّةَ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ أَصَابَ تِلْكَ الْجَنَّةَ إعْصَارٌ وَهُوَ الرِّيحُ الْقَوِيَّةُ الَّتِي تَسْتَدِيرُ ثُمَّ تَرْتَفِعُ فِي الْجَو، وَفِي ذَلِكَ الْإِعْصَارِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ تِلْكَ الْجَنَّةَ، فَلَا تَسْأَلْ عَمَّا لَقِيَ ذَلِكَ الَّذِي أَصَابَهُ الْكِبْرُ مِنْ الْهَمِّ وَالْغَمِّ وَالْحِزْنِ، فَلَوْ قَدَرَ أَنَّ الْحُزْنَ يَقْتُلُ صَاحِبُهُ لِقَتْلِهِ الْحُزْنَ، كَذَلِكَ مِنْ عَمَلَ عَمَلًا لِوَجْهِ اللَّهِ فَإِنَّ أَعْمَالَهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَذْرِ لِلزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، وَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَحْصُلَ لَهُ مِنْ عَمَلِهِ جَنَّةٌ مَوْصُوفَةٌ بِغَايَةِ الْحَسَنِ وَالْبَهَاءِ، وَتِلْكَ الْمُفْسَدَاتِ الَّتِي تَفْسُدُ الْأَعْمَالَ بِمَنْزِلَةِ الْإِعْصَارِ الَّذِي فِيهِ نَارً، وَالْعَبْدُ أَحْوَجُ مَا يَكُونُ لِعَمَلِهِ إذَا مَاتَ وَكَانَ بِحَالَةٍ لَا يَقْدِرُ مَعَهَا عَلَى الْعَمَلِ، فَيَجِدُ عَمَلُهُ الَّذِي يُؤْمَلُ نَفْعَهُ هِبَاءً مَنْثُورًا، وَوَجَدَ اللَّهُ عِنْدَهُ فَوَفَاهُ حِسَابُهُ.
وَاَللَّهُ سَرِيعٌ الْحِسَابِ فَلَوْ عَلِمَ الْإِنْسَانَ وَتَصَوَّرُ هَذِهِ الْحَالَ وَكَانَ لَهُ أَدْنَى مَسْكَةً مِنْ عَقْلٍ لَمْ يُقَدَّمْ عَلَى مَا فِيهِ مَضَرَّتُهُ وَنِهَايَةُ حُسْرَتِهِ وَلَكِنْ ضَعْفَ الْإِيمَانَ وَالْعَقْلَ وَقِلَّةُ الْبَصِيرَةِ يَصِيرُ صَاحِبُهُ إلَى هَذِهِ الْحَالَةِ الَّتِي لَوْ صَدَرَتْ مِنْ مَجْنُونٍ لَا يَعْقِلُ لَكَانَ ذَلِكَ عَظِيمًا وَخَطَرُهُ جَسِيمًا، فَلِهَذَا أَمَرٌ تَعَالَى ⦗١١٥⦘ بِالتَّفكر وحثَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ .
1 (١) في النسختين: فيه.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout