هذا مُتَضَمِنُ لِنَهْيِ الْمُؤْمِنِينَ، [عن] أَنْ يَبْغِيَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَيُقَاتِلُ (١) بَعضهُمْ بَعْضًا، وَأَنَّهُ إِذَا اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَلَافُوا هَذَا الشَّرَّ الْكَبِيرَ، بِالْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمْ، وَالتَّوَسُّطُ بِذَلِكَ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ يَقَعُ بِهِ الصُّلْحُ، وَيُسْلِكُوا الطَّرِيقَ الْمُوصِّلَةَ إِلَى ذَلِكَ، فَإِنْ صَلَّحَتَا، فَبِهَا وَنَعْمَتُ، وَإِنْ ﴿بََّغَِتْ إِِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ أيِّ: تَرْجِعُ إِلَى مَا حَدَّ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، مِنْ فِعْلِ الْخَيْرِ وَتَرَكَ الشَّرَّ، الَّذِي مِنْ أَعْظَمِهُ، الِاقْتِتَالَ، [وَقَوْله] ﴿فَإِِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ هذا أمَر بِالصُّلحِ، وَبِالْعَدْلِ فِي الصُّلْحِ، فَإِنَّ الصُّلْحَ، قَدْ يُوجَدُ، وَلَكِنْ لَا يَكُونُ بِالْعَدْلِ، بَلْ بِالظُّلْمِ وَالْحَيْفِ عَلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ، فَهَذَا لَيْسَ هُوَ الصُّلْحُ الْمَأْمُورُ بِهِ، فَيَجِبُ أَنْ لَا يُرَاعَى أَحَدُهُمَا، لِقَرَابَةٍ، أَوْ وَطِنً، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَقَاصِدِ وَالْأَغْرَاضِ، الَّتِي تُوجِبُ الْعُدُولَ عَنِ الْعَدْلِ، ﴿إِِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ أيِّ: الْعَادِلِينُ فِي حُكْمِهِمْ بَيْنَ النَّاسِ وَفِي جَمِيعِ الْوِلَايَاتِ، الَّتِي تُوَلُّوهَا، حَتَّى إِنَّهُ، قَدْ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ عَدْلُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ، وَعِيَالِهِ، فِي أَدَائِهِ حُقُوقُهُمْ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "الْمُقْسِطُونَ عِنْدَ اللَّهِ، عَلَى مَنَابِرٍ مِنْ نُورِ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ، وَمَا وَلَوَا"
﴿إِِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ هذا عقد، عَقَدَهُ اللَّهُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، أَنَّهُ إِذَا وُجِدَ مِنْ أَيِّ شَخْصٍ كَانَ، فِي مَشْرِقِ الْأَرْضِ وَمَغْرِبِهَا، الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ، وَمَلَاَئِكَتِهِ، وَكَتُبَهَ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخَرِ، فَإِنَّهُ أَخٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، أُخُوَّةٌ تُوجِبُ أَنْ يُحِبَّ لَهُ الْمُؤْمِنُونَ، مَا يُحِبُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ، وَيُكْرَهُونَ لَهُ، مَا يَكْرَهُونَ لِأَنْفُسِهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آمِرًَا بِحُقُوقِ الْأُخُوَّةِ الْإِيمَانِيَّةِ: "لا تَحَاسِدُوا، وَلَاَ تَنَاجَشُوا، وَلَاَ تَبَاغَضُوا، وَلَاَ يَبِعْ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًِا الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ، ⦗٨٠١⦘ لا يَظلمُهُ، وَلاَ يَخْذِلُهُ، وَلَاَ يُحَقِّرُهُ" (٢) .
وقال صلى الله عليه وسلم (٣) "الْمُؤْمِن للمُؤْمِنِ، كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضَهُ بَعْضًَا" وَشَبَّكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ.
وَلَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولَهُ، بِالْقِيَامِ بِحُقُوقِ الْمُؤْمِنِينَ، بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، وَبِمَا بِهِ يَحْصُلُ التَّآلُفُ وَالتَّوَادُدُ، وَالتَّوَاصُلُ بَيْنَهُمْ، كُلُّ هَذَا، تَأْيِيدٌ لِحُقُوقِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، فَمِنْ ذَلِكَ، إِذَا وَقَعَ الِاقْتِتَالُ بَيْنَهُمْ، الْمُوجِبُ لِتَفَرُّقِ الْقُلُوبِ وَتَبَاغُضَهَا [وَتَدَابِرَهَا]، فَلْيُصْلِحْ الْمُؤْمِنُونَ بَيْنَ إِخْوَانِهِمْ، وَلْيَسْعُوا فِيمَا بِهِ يَزُولُ شُنْآنُهُمْ.
ثمَّ أَمَرَ بِالتَّقْوَى عُمُومًُا، وَرَتَّبَ عَلَى الْقِيَامِ بِحُقُوقِ الْمُؤْمِنِينَ وَبِتَقْوَى اللَّهِ، الرَّحْمَةِ [فَقَالَ: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ وإِذَا حَصَلَتْ الرَّحْمَةُ، حَصَلَ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَدَلَّ ذَلِكَ، عَلَى أَنَّ عَدَمَ الْقِيَامِ بِحُقُوقِ الْمُؤْمِنِينَ، مِنْ أَعْظَمِ حَوَاجِبَ الرَّحْمَةِ.
وَفِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ مِنَ الْفَوَائِدِ، غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ: أَنَّ الِاقْتِتَالَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ مُنَافٌ لِلْأُخُوَّةِ الْإِيمَانِيَّةِ، وَلِهَذَا، كَانَ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، وَأَنَّ الْإِيمَانَ، وَالْأُخُوَّةِ الْإِيمَانِيَّةَ، لَا تَزُولُ مَعَ وُجُودِ الْقِتَالِ كَغَيْرِهِ مِنْ الذُّنُوبِ الْكِبَارِ، الَّتِي دُونَ الشِّرْكِ، وَعَلَى ذَلِكَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَعَلَى وُجُوبِ الْإِصْلَاحِ، بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْعَدْلِ، وَعَلَى وُجُوبِ قِتَالِ الْبُغَاةِ، حَتَّى يَرْجِعُوا إِلَى أَمْرِ اللَّهِ، وَعَلَى أَنَّهُمْ لَوْ رَجَعُوا، لِغَيْرِ أَمْرِ اللَّهِ، بِأَنْ رَجَعُوا عَلَى وَجْهٍ لَا يَجُوزُ الْإِقْرَارُ عَلَيْهِ وَالْتِزَامُهُ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَأَنَّ أَمْوَالَهُمْ مَعْصُومَةً، لِأَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ دِمَاءَهُمْ وَقْتَ اسْتِمْرَارِهِمْ عَلَى بَغْيِهِمْ خَاصَّةً، دُونَ أَمْوَالِهِمْ.
1 (١) في ب: ويقتل. (٢) في ب: أورد الشيخ الحديث كما يلي: (لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله أخوانًا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله، ولا يكذبه) متفق عليه. (٣) في ب: وفيهما عن النبي صلى الله عليه وسلم.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout