✦180
وَهَذَا فِيهِ أَيْضًا أَعْظَمُ دَلَالَةَ حِسِّيَّةٌ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ وَإِحْيَائِهِ الْمَوْتَى لِلْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ، فَأَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ خَلِيلِهِ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ سَأَلَهُ أَنْ يَرِيَهُ بِبَصَرِهِ كَيْفَ يُحْيِي الْمَوْتَى، لِأَنَّهُ قَدْ تَيَقَّنَ ذَلِكَ بِخَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَكِنَّهُ أَحَبُّ أَنْ يُشَاهِدَهُ عَيَانًا لِيَحْصُلَ لَهُ مُرْتَبَةً عَيْنِ الْيَقِينِ، فَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ لَهُ: ﴿أَولَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئَنَّ قَلْبِي﴾ وَذَلِكَ أَنَّهُ بِتَوَارُدِ الْأَدِلَّةِ الْيَقِينِيَّةِ مِمَّا يَزْدَادُ بِهِ الْإِيمَانُ وَيُكْمُلُ بِهِ الْإِيقَانُ وَيَسْعَى فِي نِيْلِهِ أُولُو الْعُرْفَانِ، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ ﴿فَخِذَ أَرْبَعَةً مِنْ الطَّيْرِ فَصَرَهُنَّ إلَيْكَ﴾ أَيْ: ضَمَّهُنَّ لِيَكُونَ ذَلِكَ بِمَرْأًى مِنْك وَمُشَاهَدَةٍ وَعَلَى يَدَيْك. ﴿ثُمَ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ٍ أَيْ: مُزَقَهِنَّ، اخْلَطْ أَجْزَاءَهُنَّ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ، وَاجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ، أَيْ: مِنْ الْجِبَالِ الَّتِي فِي الْقُرْبِ مِنْهُ، جُزْءٌ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ ﴿ثُمَّ ادَّعُهُنَّ يَأْتِينَّك سَعْيًا﴾ٌ أَيْ: تَحْصُلُ لَهُنَّ حَيَاةٌ كَامِلَةً، وَيَأْتِينَّك فِي هَذِهِ الْقُوَّةِ وَسُرْعَةِ الطَّيَرَانِ، فَفَعَلَ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَلِكَ وَحَصَلَ لَهُ مَا أَرَادَ وَهَذَا مِنْ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي أَرَاهُ اللَّهُ إيَّاهُ فِي قَوْلِهِ ﴿وَكَذَلِكَ نَرِيَ إبْرَاهِيمَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلْيَكُونَ مِنْ الْمُوَقِّنِينَ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أَيْ: ذُو قُوَّةٍ عَظِيمَةٍ سَخَرَ بِهَا الْمَخْلُوقَاتِ، فَلَمْ يَسْتَعِصَّ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا، بَلْ هِيَ مُنْقَادَةٌ لِعِزَّتِهِ خَاضِعَةٌ لِجَلَّالِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَأَفْعَالُهُ تَعَالَى تَابِعَةً لِحِكْمَتِهِ، لَا يَفْعَلُ شَيْئًا عَبَثًا، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿٢٦١﴾ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ .
هذا بَيَان للمُضَاعَفَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي ⦗١١٣⦘ قوله ﴿مَن ذَا الَّذِي يَقْرِضُ اللَّهُ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفُهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةٌ﴾ وَهُنَا قَالَ: ﴿مِثْلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ِ أَيْ: فِي طَاعَتِهِ وَمَرْضَاتِهِ، وَأَوْلَاهَا إنْفَاقُهَا فِي الْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ ﴿كَمِثْلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سَنْبَلَةٍ مِائَةَ حَبَّةٍ﴾ وَهَذَا إحْضَارٌ لِصُورَةِ الْمُضَاعَفَةِ بِهَذَا الْمِثَلِ، الَّذِي كَانَ الْعَبْدُ يُشَاهِدُهُ بِبَصَرِهِ فَيُشَاهَدُ هَذِهِ الْمُضَاعَفَةَ بِبَصِيرَتِهِ، فَيَقْوَى شَاهِدُ الْإِيمَانِ مَعَ شَاهِدِ الْعَيَانِ، فَتَنْقَادُ النَّفْسَ مُذْعَنَةً لِلْإِنْفَاقِ سَامِحَةٌ بِهَا مُؤْمِلَةٌ لِهَذِهِ الْمُضَاعَفَةِ الْجَزِيلَةِ وَالْمِنَّةِ الْجَلِيلَةِ، ﴿وَاَللَّهِ يُضَاعِفُ﴾ هَذِهِ الْمُضَاعَفَةَ ﴿لْمَنْ يَشَاءَ﴾ أَيْ: بِحَسَبِ حَالِ الْمُنْفِقِ وَإِخْلَاصِهِ وَصَدَّقِهِ وَبِحَسَبِ حَالِ النَّفَقَةِ وَحِلِّهَا وَنَفْعِهَا وَوُقُوعِهَا مَوْقِعَهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ﴿وَاَللَّهِ يُضَاعِفُ﴾ أَكْثَرَ مِنْ هَذِهِ الْمُضَاعَفَةِ ﴿لْمَنْ يَشَاءَ﴾ فَيُعْطِيهِمْ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿وَاَللَّهِ وَاسْعَ﴾ الْفَضْل، وَاسِعُ الْعَطَاءِ، لَا يَنْقُصُهُ نَائِلٌ وَلَا يَحْفِيهِ سَائِلٌ، فَلَا يُتَوَهَّمُ الْمُنْفِقُ أَنَّ تِلْكَ الْمُضَاعَفَةَ فِيهَا نَوْعٌ مُبَالَغَةً، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَتَعَاظِمُهُ شَيْءٌ وَلَا يُنْقُصُهُ الْعَطَاءُ عَلَى كَثْرَتِهِ، وَمَعَ هَذَا فَهُوَ ﴿عْلِيمُ﴾ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ هَذِهِ الْمُضَاعَفَةَ وَمَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا، فَيَضَعُ الْمُضَاعَفَةُ فِي مَوْضِعِهَا لِكَمَالِ عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ.