يخْبَرُ تَعَالَى أَنَّ الْمُشْرِكِينَ اتَّخَذُوا شُرَكَاءَ يُوَالُونَهُمْ وَيَشْتَرِكُونَ هُمْ وَإِيَّاهُمْ فِي الْكُفْرِ وَأَعْمَالِهِ، مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسَ، الدُّعَاةُ إِلَى الْكُفْرِ ﴿ِشَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ من الشِّركِ وَالْبِدْعُ، وَتَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللَّهَ، وَتَحْلِيلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا اقْتَضَتْهُ أَهْوَاؤُهُمْ.
مَعَ أَنَّ الدَّيْنَ لَاَ يَكُونُ إِلَّاَّ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى، لِيَدِينِ بِهِ الْعِبَادَ وَيَتَقَرَّبُوا بِهِ إِلَيْهِ، فَالْأَصْلُ الْحَجْرُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَشْرَعَ شَيْئًا مَا جَاءَ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ، فَكَيْفَ بِهَؤُلَاءِ الْفِسْقَةِ الْمُشْتَرِكِينَ هُمْ وَآبَاؤُهُمْ عَلَى الْكُفُرِ.
﴿وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: لولا الأَجَلُ الْمُسَمَّى الَّذِي ضَرَبَهُ اللَّهُ فَاصِلًا بَيْنَ الطَّوَائِفِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَأَنَّهُ سَيُؤَخِّرُهُمْ إِلَيْهِ، لِقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِي الْوَقْتِ الْحَاضِرِ بِسَعَادَةِ الْمُحَقِّ وَإِهْلَاكِ الْمُبْطِلِ، لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِلْإِهْلَاكِ مَوْجُودٌ، وَلَكِنَّ أَمَامَهُمْ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ فِي الْآخِرَةِ، هَؤُلَاءِ وَكُلُّ ظَالِمٍ.
وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ﴿تََرَى الظَّالِمِينَ﴾ أنْفُسهُمْ بِالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي ﴿مُشْفِقِينَ﴾ أَيِّ: خَائِفِينَ وَجَلَّيْنِ ﴿مِمَّا كَسَبُوا﴾ أَنْ يُعَاقِبُوا عَلَيْهِ.
وَلَمَّا كَانَ الْخَائِفُ قَدْ يَقَعُ بِهِ مَا أَشْفَقُ مِنْهُ وَخَافَهُ، وَقَدْ لَاَ يَقَعُ، أَخْبَرَ أَنَّهُ ﴿ُوََاقِعٌ بِهِمْ﴾ العِقَابُ الَّذِي خَافُوهُ، لِأَنَّهُمْ أَتَوْا بِالسَّبَبِ التَّامِّ الْمُوجِبِ لِلْعِقَابِ، مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ، مِنْ تَوْبَةٍ وَلَاَ غَيْرِهَا، وَوَصَلُوا مَوْضِعًا فَاتَ فِيهِ الْإِنْظَارُ وَالإِمْهَالُ.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ بقُلُوبِهُمْ بِاَللَّهِ وَبِكُتُبِهِ وَرُسْلِهِ وَمَا جَاءُوا بِهِ، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يشمِلُ كُل عَمَلِ صَالِحٌ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ، وَأَعْمَالِ الْجَوَارِحِ مِنَ الْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحَبَّاتِ، فَهَؤُلَاَءِ ﴿فَِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾ أي: الرَّوضَاتُ الْمُضَافَةُ إِلَى الْجَنَاتِ، وَالْمُضَافُ يَكُونُ بِحَسَبِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ بَهْجَةِ تِلْكَ الرِّيَاضِ الْمُونَّقَةِ، وَمَا فِيهَا مِنْ الْأَنْهَارِ الْمُتَدَفِّقَةِ، وَالْفِيَاضِ الْمُعْشَبَةِ، وَالْمُنَاظِرُ الْحَسَنَةُ، وَالْأَشْجَارُ الْمُثْمِرَةُ، وَالطُّيُورُ الْمُغْرِدَةُ، وَالْأَصْوَاتُ الشَّجِيَّةُ الْمُطْرِبَةُ، وَالِاجْتِمَاعُ بِكُلِّ حَبِيبٍ، وَالْأَخْذُ مِنْ الْمُعَاشَرَةِ وَالْمُنَادَمَةِ بِأَكْمَلِ نَصِيبِ، رِيَاضٌ لَا تَزْدَادُ عَلَى طُولِ الْمُدَى إِلَّا حَسَنًا وَبَهَاءً، وَلَا يَزْدَادُ أَهْلُهَا إِلَّا اشْتِيَاقًا إلَى لِذَاتِهَا وَوَدَادًا، ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ﴾ فِيهَا، أَيْ: فِي الْجَنَاتِ، فَمَهْمَا أَرَادُوا فَهُوَ حَاصِلٌ، وَمَهْمَا طَلَبُوا حَصَلَ، مِمَّا لَاَ عَيْنَ رَأَتْ، وَلَاَ أُذُنَ سَمِعْتُ، وَلَاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشْرٍ. ﴿ذََلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ وهُل فَوز أَكْبَرُ مِنَ الْفَوْزِ بِرِضَا اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّنَعُّمُ بِقُرْبِهِ فِي دَارِ كَرَامَتِهِ؟
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout