أي: لما تملَّك طَالُوتُ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَاسْتَقَرَّ لَهُ الْمِلْكُ تَجْهَّزُوا لِقِتَالِ عَدُوِّهِمْ، فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِجُنُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَانُوا عَدَدًا كَثِيرًا وَجَمًا غَفِيرًا، امْتَحَنَهُمْ بِأَمْرِ اللَّهِ لِيَتَبَيَّنَ الثَّابِتُ الْمُطْمِئِنَّ مِمَّنْ لَيْسَ كَذَلِكَ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهْرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِي﴾ٌ فَهُوَ عَاصٌ وَلَا يَتْبَعُنَا لِعَدَمِ صَبْرِهِ وَثَبَاتِهِ وَلِمَعْصِيَتِهِ ﴿َوْمَنْ لَمْ يَطْعِمْهُ﴾ أَيْ: لَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي ﴿إِلَّا مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَلَعَلَّ اللَّهُ أَنْ يُجْعَلَ فِيهَا بَرَكَةً فَتَكْفِيهِ، وَفِي هَذَا الِابْتِلَاءِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ قَدْ قَلَّ عَلَيْهِمْ لِيَتَحَقَّقَ الِامْتِحَانُ، فَعَصَى أَكْثَرُهُمْ وَشَرِبُوا مِنَ النَّهْرِ الشُّرْبِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَرَجَعُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ وَنَكَصُوا عَنْ قِتَالِ عَدُوِّهِمْ وَكَانَ فِي عَدَمِ صَبْرِهِمْ عَنْ الْمَاءِ سَاعَةً وَاحِدَةً أَكْبَرُ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ صَبْرِهِمْ عَلَى الْقِتَالِ الَّذِي سَيَتَطَاوَلُ وَتَحْصُلُ فِيهِ الْمَشَقَّةُ الْكَبِيرَةُ، وَكَانَ فِي رُجُوعِهِمْ عَنْ بَاقِي الْعَسْكَرِ مَا يَزْدَادُ بِهِ الثَّابِتُونَ تَوَكَّلًا عَلَى اللَّهِ، وَتَضَرُّعًا وَاسْتِكَانَةً وَتَبَرُؤا مِنْ حَوْلِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ، وَزِيَادَةِ صَبْرٍ لِقِلَّتِهِمْ وَكَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ، فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ﴾ أَيْ: النَّهْرُ ﴿َهُوَ﴾ٌ أَيْ: طَالُوتُ ﴿وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ وَهُمْ الَّذِينَ أَطَاعُوا أَمْرَ اللَّهِ وَلَمْ يَشْرَبُوا مِنَ النَّهْرِ الشُّرْبِ الْمَنْهِيّ عَنْهُ فَرَأَوْا ... قُلْتُهُمْ وَكَثْرَةُ أَعْدَائِهِمْ، قَالُوا أَيْ: قَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ ﴿لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتٍ وَجُنُودِهِ﴾ لِكَثْرَتِهِمْ وَعََدَدِهِمْ وَعَُدَدِهِمْ ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُوا اللَّهَ﴾ّ أَيْ: يَسْتَيْقِنُونَ ذَلِكَ، وَهُمْ أَهْلُ الإِيمَانِ الثَّابِتِ وَالْيَقِينُ الرَّاسِخُ، مُثْبَتَيْنِ لِبَاقِيهِمْ وَمُطْمِئِنِينَ لِخَوَاطِرِهِمْ، وَآمِرِينَ لَهُمْ بِالصَّبْرِ ﴿كُمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٌ كَثِيرَةٌ بِإِذْنِ اللّهِ﴾ِ أَيْ: بِإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ فَالأَمْرُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَالْعَزِيزُ مَنْ أَعَزّهِ اللّهَ، وَالذَّلِيلُ مِنْ أَذَلّهِ اللّهَ، فَلَا تُغْنِي الْكَثْرَةُ مَعَ خُذْلَانِهِ، وَلَا تَضُرُّ الْقِلَّةُ مَعَ نَصْرِهِ، ﴿وَاَللّهِ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ بِالنَّصْرِ وَالْمَعُونَةِ وَالتَّوْفِيقِ، فَأَعْظَمُ جَالِبٌ لِمَعُونَةِ اللّهِ صَبَرَ الْعَبْدِ لِلَّهِ، فَوَقَعَتْ مَوْعَظَتُهُ فِي قُلُوبِهِمْ وَأَثَّرَتَ مَعَهُمْ.
وَلِهَذَا لَمّا بَرِزُوا لِجَالُوتِ وَجُنُودِهِ ﴿قَالُوا﴾ جَمِيعَهُمْ ﴿رَبَّنَا أَفْرَغَ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ أَيْ: قَو قُلُوبُنَا، وَأَوْزَعْنَا الصَّبْرَ، وَثَبَتَ أَقْدَامُنَا عَنِ التَّزَلُّزُلِ وَالْفِرَارِ، وَانْصَرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.
مِنْ هَاهُنَا نَعْلَمُ أَنَّ جَالُوتَ وَجُنُودُهُ كَانُوا كُفَّارًا، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ الدُّعَاءَ لِإِتْيَانِهِمْ بِالْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِذَلِكَ، وَنَصَرِهُمْ عَلَيْهِمْ ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدَ﴾ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَانَ مَعَ جُنُودٍ طَالُوت، ﴿جَالُوتُ﴾ أَيْ: بَاشَرَ قَتْلَ مِلْكِ الْكُفَّارِ بِيَدِهِ لِشَجَاعَتِهِ وَقُوَّتِهِ وَصَبْرِهِ ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ﴾ُ أَيْ: آتَى اللَّهُ دَاوُد ﴿الْمِلْكِ وَالْحِكْمَةَ﴾ أَيْ: مَنَّّ عَلَيْهِ بِتَمَلُّكِهِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَ الْحِكْمَةِ، وَهِيَ النُّبُوَّةُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى الشَّرْعِ الْعَظِيمِ وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَلِهَذَا قَالَ ﴿وَعِلْمُهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ُ مِنْ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعُلُومِ السِّيَاسِيَّةِ، فَجَمَعَ اللَّهُ لَهُ الْمِلْكُ وَالنُّبُوَّةُ، وَقَدْ كَانَ مِنْ قِبَلِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ يَكُونُ الْمِلْكُ ⦗١٠٩⦘ لغَيرهم، فَلَمَّا نَصَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى اطْمَأَنُوا فِي دِيَارِهِمْ وَعَبْدُوا اللَّهَ آمِنِينَ مُطْمِئِنِينَ لِخُذْلَانِ أَعْدَائِهِمْ وَتَمْكِينِهِمْ مِنْ الْأَرْضِ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ آثَارِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا دَفَعَ اللَّهُ النَّاسَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ لِفَسَدَتْ الْأَرْضَ﴾ أَيْ: لَوْلَا أَنَّهُ يَدْفَعُ بِمَنْ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِهِ كَيَدِ الْفِجَّارِ وَتَكَالَبِ الْكُفَّارِ لَفَسَدَتْ الْأَرْضَ بِاسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ عَلَيْهَا وَإِقَامَتُهُمْ شَعَائِرُ الْكُفْرِ وَمَنْعَهُمْ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِظْهَارُ دِينِهِ ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ حَيْثُ شَرَعَ لَهُمْ الْجِهَادُ الَّذِي فِيهِ سَعَادَتُهُمْ وَالْمُدَافَعَةُ عَنْهُمْ وَمُكَّنَهُمْ مِنْ الْأَرْضِ بِأَسْبَابٍ يَعْلَمُونَهَا، وَأَسْبَابٌ لَا يَعْلَمُونَهَا.
ثم قَالَ تَعَالَى: ﴿ِتِلْكَ آيَاتِ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْك بِالْحَقِّ﴾ِ أَيْ: بِالصِّدْقِ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهَا الْمُتَضَمِّنُ لِلِاعْتِبَارِ وَالِاسْتِبْصَارِ وَبَيَانِ حَقَائِقِ الْأُمُورِ ﴿وَإِنَّك لِمِنْ الْمُرْسَلِينَ﴾ فَهَذِهِ شَهَادَةٌ مِنْ اللَّهِ لِرَسُولِهِ بِرِسَالَتِهِ الَّتِي مِنْ جُمْلَةِ أَدِلَّتِهَا مَا قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ أَخْبَارِ الْأُمَمِ السَّالِفِينَ وَالْأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعِهِمْ وَأَعْدَائِهِمْ الَّتِي لَوْلَا خَبَرَ اللَّهِ إيَّاهُ لَمَّا كَانَ عِنْدَهُ بِذَلِكَ عُلِمَ بَلْ لَمْ يَكُنْ فِي قَوْمِهِ مِنْ عِنْدِهِ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ، فَدَلَّ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا وَنَبِيهُ صِدْقًا الَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ وَدَيْنِ الْحَقِّ لِيَظْهِرَهُ عَلَى الدَّيْنِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.
وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ الْآيَاتِ وَالْعَبْرِ مَا يَتَذَكَّرُ بِهِ أُولُو الْأَلْبَابِ، فَمِنْهَا: أَنَّ اجْتِمَاعَ أَهْلِ الْكَلِمَةِ وَالْحِلِّ وَالْعَقْدِ وَبَحَثُهُمْ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي تَسْتَقِيمُ بِهِ أُمُورُهُمْ وَفَهْمَهُ، ثُمَّ الْعَمَلُ بِهِ، أَكْبَرُ سَبَبٍ لِارْتِقَائِهِمْ وَحُصُولِ مَقْصُودِهِمْ، كَمَا وَقَعَ لِهَؤُلَاءِ الْمَلَأِ حِينَ رَاجَعُوا نَبِيَّهُمْ فِي تَعْيِينِ مِلْكٍ تَجْتَمِعُ بِهِ كَلِمَتُهُمْ وَيَلَمُ مُتَفَرِّقُهُمْ، وَتَحْصُلُ لَهُ الطَّاعَةُ مِنْهُمْ، وَمِنْهَا: أَنَّ الْحَقَّ كُلَّمَا عُورِضَ وَأَوْرَدَتْ عَلَيْهِ الشَّبَهُ ازْدَادَ وُضُوحًا وَتَمَيَّزُ وَحَصَلَ بِهِ الْيَقِينُ التَّامُّ كَمَا جَرَى لِهَؤُلَاءِ، لَمَّا اعْتَرَضُوا عَلَى اسْتِحْقَاقٍ طَالُوتٍ لِلْمِلْكِ أُجِيبُوا بِأَجْوِبَةٍ حَصَلَ بِهَا الْإِقْنَاعُ وَزَوَالُ الشَّبَهِ وَالرِّيبِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْعِلْمَ وَالرَّأْيَ: مَعَ الْقُوَّةِ الْمُنْفَذَةِ بِهِمَا كَمَالُ الْوِلَايَاتِ، وَبِفَقْدِهِمَا أَوْ فَقَدِ أَحَدُهُمَا نُقْصَانُهَا وَضَرَرَهَا. وَمِنْهَا: أَنَّ الِاتِّكَالَ عَلَى النَّفْسِ سَبَبُ الْفَشْلِ وَالْخُذْلَانِ، وَالِاسْتِعَانَةُ بِاَللَّهِ وَالصَّبْرِ وَالِالْتِجَاءِ إلَيْهِ سَبَبُ النَّصْرِ، فَالْأَوَّلُ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ لِنَبِيِّهِمْ ﴿َوْمًا لَنَا أَلَا نُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أَخْرَجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ فَكَأَنَّهُ نَتِيجَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَتَبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ تَوَلُّوا، وَالثَّانِي فِي قَوْلِهِ: ﴿ُوَلَمَّا بَرِزُوا لِجَالُوتِ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرَغُ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبَتَ أَقْدَامُنَا وَانْصَرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ِ وَمِنْهَا: أَنَّ مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى تَمْيِيزُ الْخَبِيثِ مِنْ الطِّيِّبِ، وَالصَّادِقِ مِنْ الْكَاذِبِ، وَالصَّابِرِ مِنْ الْجُبَّانِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذْرَ الْعِبَادَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الِاخْتِلَاطِ وَعَدَمِ التَّمْيِيزِ. وَمِنْهَا: أَنَّ مِنْ رَحْمَتِهِ وَسُنَنِهِ الْجَارِيَةُ أَنْ يَدْفَعَ ضَرَرَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ بِالْمُؤْمِنِينَ الْمُقَاتِلِينَ، وَأَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ لَفَسَدَتْ الْأَرْضَ بِاسْتِيلَاءِ الْكُفْرِ وَشَعَائِرِهِ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى:
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout