يقُصُ تَعَالَى عَلَيْنَا قِصَّةُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ عَلَى كَثْرَتِهِمْ وَاتِّفَاقِ مَقَاصِدِهِمْ، بِأَنَّ الَّذِي أَخْرَجَهُمْ مِنْهَا حَذَرَ الْمَوْتِ مِنْ وَبَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ، يَقْصِدُونَ بِهَذَا الْخُرُوجِ السَّلَاَمَةِ مِنَ الْمَوْتِ، وَلَكِنْ لَاَ يُغْنِي حَذَرٌ عَنْ قَدْرٍ، ﴿فَقَالَ اللَّهُ لَهُمْ مَوْتُوا﴾ٌ فَمَاتُوا ﴿ثُمَ﴾َ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ﴿أَحْيَاهُمْ﴾ إِمَّا بِدَعْوَةِ نَبِيٍّ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، رَحْمَةً بِهِمْ وَلَطْفًا وَحِلْمًا، وَبَيَانًا لِآيَاتِهِ لِخَلْقِهِ بِإِحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضَلِ﴾ ⦗١٠٧⦘ أَي: عَظِيمُ ﴿عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَاَ يُشْكِرُونَ﴾ فَلَا تَزِيدُهُمْ النِّعْمَةُ شَكْرًا، بَلْ رُبَّمَا اسْتَعَانُوا بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَى مَعَاصِيهِ، وَقَلِيلٌ مِنْهُمْ الشُّكُورُ الَّذِي يَعْرَفُ النِّعْمَةَ وَيُقِرُّ بِهَا وَيَصْرِفُهَا فِي طَاعَةِ الْمُنْعِمِ.
ثُمَّ أَمَرَ تَعَالَى بِالْقِتَالِ فِي سَبِيلِهِ، وَهُوَ قِتَالُ الْأَعْدَاءِ الْكُفَّارُ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ وَنَصْرِ دَيْنِهِ، فَقَالَ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعَ عَلِيمٌ﴾ أَيْ: فَأَحْسِنُوا نِيَاتَكُمْ وَاقْصُدُوا بِذَلِكَ وَجْهُ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَا يُفِيدُكُمْ الْقُعُودُ عَنْ الْقِتَالِ شَيْئًا، وَلَوْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ فِي الْقُعُودِ حَيَاتَكُمْ وَبَقَاءَكُمْ، فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَلِهَذَا ذِكَرَ الْقِصَّةِ السَّابِقَةِ تَوْطِئَةً لِهَذَا الْأَمْرِ، فَكَمَا لَمْ يَنْفَعْ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ حَذَرَ الْمَوْتِ خُرُوجَهُمْ، بَلْ أَتَاهُمْ مَا حَذَرُوا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْتَسِبُوا، فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ كَذَلِكَ.
وَلَمَّا كَانَ الْقِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالنَّفَقَةِ وَبَذْلُ الْأَمْوَالِ فِي ذَلِكَ، أَمْرٌ تَعَالَى بِالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِهِ وَرَغِبَ فِيهِ، وَسَمَّاهُ قَرْضًا فَقَالَ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَقْرِضُ اللَّهُ قَرْضًا حَسَنَا﴾ فَيُنْفِقُ مَا تَيَسَّرَ مِنْ أَمْوَالِهِ فِي طُرُقِ الْخَيْرَاتِ، خُصُوصًا فِي الْجِهَادِ، وَالْحَسَنِ هُوَ الْحَلَالُ الْمَقْصُودُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى، ﴿فَيُضَاعِفُهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةَ﴾ الْحَسَنَةِ بِعَشَرَةِ أَمْثَالِهَا إلَى سَبْعِ مِائَةٍ ضَعْفٍ إلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، بِحَسَبِ حَالَةِ الْمُنْفَقِ، وَنِيَّتِهِ وَنَفْعِ نَفَقَتِهِ وَالْحَاجَةُ إلَيْهَا، وَلَمَّا كَانَ الْإِنْسَانُ رُبَّمَا تَوَهَّمَ أَنَّهُ إذَا أَنْفَقَ افْتَقَرَ دَفَعَ تَعَالَى هَذَا الْوَهْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاَللَّهِ يَقْبِضُ وَيَبْسَطُ﴾ أَيْ: يُوَسَّعُ الرِّزْقَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَيَقْبِضُهُ عَمَّنْ يَشَاءَ، فَالتَّصَرُّفُ كُلُّهُ بِيَدَيْهِ وَمَدَارِ الْأُمُورِ رَاجِعٌ إلَيْهِ، فَالْإِمْسَاكُ لَا يُبْسُطُ الرِّزْقُ، وَالْإِنْفَاقُ لَا يَقْبِضُهُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالْإِنْفَاقُ غَيْرُ ضَائِعٍ عَلَى أَهْلِهِ، بَلْ لَهُمْ يَوْمٌ يَجِدُونَ مَا قَدَّمُوهُ كَامِلًا مُوَفَّرًا مُضَاعِفًا، فَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَإِلَيْهِ تَرْجِعُونَ﴾ فَيُجَازِيكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ.
فَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَسْبَابَ لَا تَنْفَعُ مَعَ الْقَضَاءِ وَالْقَدْرَ، وَخُصُوصًا الْأَسْبَابُ الَّتِي تُتْرَكُ بِهَا أَوَامِرُ اللَّهَ. وَفِيهَا: الْآيَةُ الْعَظِيمَةُ بِإِحْيَاءِ الْمَوْتَى أَعْيَانًا فِي هَذِهِ الدَّارِ. وَفِيهَا: الْأَمْرُ بِالْقِتَالِ وَالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَذَكَرَ الْأَسْبَابِ الدَّاعِيَةِ لِذَلِكَ الْحَاثَةِ عَلَيْهِ، مِنْ تَسْمِيَتِهِ قَرْضًا، وَمُضَاعَفَتُهُ، وَأَنَّ اللَّهَ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تَرْجِعُونَ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout