يُخْبَرُ تَعَالَى بِمَا تَقَرَّرَ فِي الْعُقُولِ، أَنَّ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ -عَلَى عَظْمِهِمَا وَسَعَتِهِمَا- أَعْظَمُ وَأَكْبَرُ، مَنْ خَلَقِ النَّاسِ، فَإِنَّ النَّاسَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْ أَصْغَرِ مَا يَكُونُ فَاَلَّذِي خَلَقَ الْأَجْرَامَ الْعَظِيمَةَ وَأَتْقَنَهَا، قَادِرٌ عَلَى إعَادَةِ النَّاسِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ مِنْ بَابِ أَوْلَى وَأَحْرَى. وَهَذَا أَحَدُ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الدَّالَّةَ عَلَى الْبَعْثِ، دَلَالَةٌ قَاطِعَةً، بِمُجَرَّدِ نَظَرِ الْعَاقِلِ إِلَيْهَا، يَسْتَدَلُّ بِهَا اسْتِدْلَالًا لَا يَقْبَلُ الشَّكُّ وَالشُّبْهَةَ بِوُقُوعِ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الْبَعْثِ.
وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يُجْعَلُ فِكْرِهَ لِذَلِكَ، وَيُقْبَلُ بِتَدَبُّرِهِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ولذلك لاَ يُعْتَبِرُونَ بِذَلِكَ، وَلَاَ يَجْعَلُونَهُ مِنْهُمْ عَلَى بَالِ.
ثم قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَسِْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ﴾ أيِّ: كَمَا لاَ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرَ، كَذَلِكَ لَاَ يَسْتَوِي مِنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَعَمَلِ الصَّالِحَاتِ، وَمَنْ كَانَ مُسْتَكْبِرًًا عَلَى عِبَادَةِ رَبِّهِ، مُقَدَّمًٌا عَلَى مَعَاصِيهِ، سَاعِيًا فِي مَسَاخِطِهِ، ﴿قََلِيلا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أَي: تَذَكُرُكُمْ قَلِيلَ (١) وَإِلَّا فَلَوْ تَذَكَّرْتُمْ مَرَاتِبَ الْأُمُورِ، وَمَنَازِلِ الْخَيْرِ وَالشَّرَّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَبْرَارِ وَالْفِجَّارِ، وَكَانَتْ لَكُمْ هِمَّةً عَلَيْهِ، لِآثَرَتُمْ النَّافِعُ عَلَى الضَّارِّ، وَالْهُدَى عَلَى الضَّلَالِ، وَالسَّعَادَةِ الدَّائِمَةِ، عَلَى الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ.
1 (١) في النسختين (قليلًا) .
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout