وهَذُه عَادَةُ الْمُنَافِقُ عِنْدَ الشِّدَّةِ وَالْمَحْنَّةِ، لَاَ يَثْبُتُ إِيمَانُهُ، وَيُنْظُرُ بِعَقْلِهِ الْقَاصِرِ، إِلَى الْحَالَةِ الْقَاصِرَةِ (١) وَيُصَدَّقُ ظَنُّهُ.
﴿وَإِِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، بَعْدَ مَا جَزَعُوا وَقَلََّّ صَبَرَهُمْ، وَصَارُوا أَيْضًَا مِنَ الْمَخْذُولِينَ، فَلَاَ صَبَرُوا بِأَنْفُسِهِمْ، وَلَاَ تَرَكُوا النَّاسَ مِنْ شَرِّهِمٍ، فَقَالَتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ: ﴿َيَا أََهْلَ يَثْرِبَ﴾ يُرِيدُونُ " يَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ " فَنَادُوهُمْ بِاسْمِ الْوَطَنِ الْمُنْبِئِ [عَنِ التَّسْمِيَةِ] (٢) فِيهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الدَّيْنَ وَالأُخُوَّةِ الْإِيمَانِيَّةَ، لَيْسَ لَهُ فِي قُلُوبِهِمْ قَدْرٌ، وَأَنَّ الَّذِي حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، مُجَرَّدُ الْخَوْرِ الطَّبِيعِيُّ.
﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ﴾ أي: فِي مَوْضِعِكُمْ الَّذِي خَرَجْتُمْ إِلَيْهِ خَارِجَ الْمَدِينَةِ، وَكَانُوا عَسْكَرُوا دُونَ الْخَنْدَقِ، وَخَارِجَ الْمَدِينَةِ، ﴿فََارْجِعُوا﴾ إِلى الْمَدِينَةِ، فَهَذِهِ الطَّائِفَةُ تَخْذِلُ عَنِ الْجِهَادِ، وَتَبَيَّنَ أَنَّهُمْ لَاَ قُوَّةَ لَهُمْ بِقِتَالِ عَدُوِّهِمْ، وَيَأْمُرُونَهُمْ بِتَرْكِ الْقِتَالِ، فَهَذِهِ الطَّائِفَةُ، شَرُّ الطَّوَائِفِ وَأَضَرُّهَا، وَطَائِفَةٌ أُخْرَى دُونَهُمْ، أَصَابَهُمُ الْجُبْنُ وَالْجُزْعُ، وَأَحَبُّوا أَنْ يَنْخَزِلُوا عَنِ الصُّفُوفِ، فَجَعَلُوا يَعْتَذِرُونَ بِالْأَعْذَارِ الْبَاطِلَةِ، وَهُمْ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿ُوََيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ أي: عليها الْخَطَرُ، وَنَخَّافُ عَلَيْهَا أَنْ يُهْجُمَ عَلَيْهَا الأَعْدَاءَ، وَنَحْنُ غَُيَّبٌ عنها، فَأْذَنْ لنَا نَرْجِعُ إِلَيْهَا، فَنَحْرِسُهَا، وَهُمْ كَذَبَةٌ فِي ذَلِكَ.
﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ﴾ أَيِّ: مَا قَصَدَهُمْ ﴿إِِلا فَِرَارًا﴾ وَلَكِنْ جَعَلُوا هَذَا الْكَلَاَمَ، وَسِيلَةً وَعُذْرًُا. [لهم] (٣) فَهَؤُلاَءُ قُلْ إِيمَانُهُمْ، وَلَيْسَ لَهُ ثُبُوتُ عِنْدَ اشْتِدَادِ الْمَحَنَ.
﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ﴾ المدِينَةُ ﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ أي: لو دَخَلَ الْكُفَّارُ إِلَيْهَا مِنْ نَوَاحِيهَا، وَاسْتَوْلُوْا عَلَيْهَا -لا كَانَ ذَلِكَ- ﴿ثُمَّ﴾ سُئِلَ هَؤُلاَءِ ﴿َالْفِتْنَة﴾ أي: الِانْقِلابُ عَنْ دِينِهِمْ، وَالرُّجُوعِ إِلَى دِينِ الْمَسْتَوْلِينَ الْمُتَغَلِّبِينَ ﴿لْآتََوْهَا﴾ أَيْ: لأَعْطُوهَا مُبَادِرِينَ.
﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلا يَسِيرًا﴾ أي: لَيْسَ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَلَاَ تََصِلُّبٌ عَلى الدَّينَ، بَلْ بِمُجَرَّدِ مَا تَكُونُ الدَّوْلَةُ لِلْأَعْدَاءِ، يُعْطُونَهُمْ مَا طَلَبُوا، وَيُوَافِقُونَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ، هَذِهِ حَالُهُمْ.
وَالْحَالُ أَنَّهُمْ قَدْ ﴿َعََاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولا﴾ سَيَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ الْعَهْدِ، فَيَجِدُهُمْ قَدْ نَقَضُوهُ، فَمَا ظَنَّهُمْ إِذًَا، بِرَبِّهِمْ؟
1 (١) في ب: الحاضرة. (٢) زيادة من: ب. (٣) زيادة من: ب.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout