يخْبَرُ تَعَالَى أَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاَللَّهِ وَبِآيَاتِهِ وَرُسُلِهِ، وَلَمْ يَنْقَادُوا لِشَرْعِهِ، أَنَّهُمْ زَينَتْ لَهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا، فَزَينَتْ فِي أَعْيُنِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ، فَرَضُوا بِهَا، وَاطْمَأَنُوا بِهَا وَصَارَتْ أَهْوَاؤُهُمْ وَإِرَادَاتُهُمْ وَأَعْمَالُهُمْ كُلُّهَا لَهَا، فَأَقْبَلُوا عَلَيْهَا، وَأَكَبُوا عَلَى تَحْصِيلِهَا، وَعَظْمُوهَا، وَعَظَمُوا مِنْ شَارَكِهِمْ فِي صَنِيعِهِمْ، وَاحْتَقَرُوا الْمُؤْمِنِينَ، وَاسْتَهْزَأُوا بِهِمْ وَقَالُوا: أَهْؤُلَاءُ مِنََّّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنَنَا؟
وَهَذَا مِنْ ضَعْفِ عُقُولِهِمْ وَنَظَرِهُمْ الْقَاصِرُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا دَارَ ابْتِلَاءً وَامْتِحَانً، وَسَيَحْصُلُ الشِّقَاءُ فِيهَا لِأَهْلِ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرَانِ، بَلْ الْمُؤْمِنُ فِي الدُّنْيَا، وَإِنْ نَالَهُ مَكْرُوهٌ، فَإِنَّهُ يُصْبَرُ وَيُحْتَسِبُ، فَيُخَفَّفُ اللَّهُ عَنْهُ بِإِيمَانِهِ وَصَبْرِهِ مَا لَا يَكُونُ لِغَيْرِهِ.
وَإِنَّمَا الشَّأْنُ كُلُّ الشَّأْنِ، وَالتَّفْضِيلِ الْحَقِيقِيِّ، فِي الدَّارِ الْبَاقِيَةِ، فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وََالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فَيَكُونُ الْمُتَّقُونُ فِي أَعْلَى الدَّرَجَاتِ، مُتَمَتِّعِينِ بِأَنْوَاعِ النَّعِيمِ وَالسُّرُورِ، وَالْبَهْجَةِ وَالْحُبُورِ.
وَالْكُفَّارِ تَحْتَهُمْ فِي أَسْفَلِ الدَّرَكَاتِ، مُعَذِّبِينَ بِأَنْوَاعِ الْعَذَابِ وَالْإِهَانَةِ، وَالشِّقَاءِ السَّرْمَدِيِّ، الَّذِي لَا مُنْتَهَى لَهُ، فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ تَسْلِيَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَنُعِيَ عَلَى الْكَافِرِينَ. وَلَمَّا كَانَتْ الْأَرْزَاقُ الدُّنْيَوِيَّةُ وَالْأُخْرَوِيَّةُ، لَا تَحْصُلُ إِلَّاَّ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ، وَلَنْ تَنَالَ إِلَّاَّ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وََاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فَالرِّزقُ الدُّنْيوِيُّ يَحْصُلُ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، وَأَمَّا رِزْقُ الْقُلُوبِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ، وَمَحَبَّةُ اللَّهِ وَخَشْيَتِهِ وَرِجَائِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلَاَ يُعْطِيهَا إِلَّاَّ مَنْ يُحِبُّ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout