لما أَمَرُ تَعَالَى بِالتَّقْوَى، أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ ابْتِغَاءَ فَضْلِ اللَّهِ بِالتَّكَسُّبِ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ، لَيْسَ فِيهِ حَرَجٌ إِذَا لَمْ يَشْغَلْ عَمَّا يَجِبُ إِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ هُوَ الْحَجُّ، وَكَانَ الْكَسْبُ حَلَاَلًاً مَنْسُوبًا إِلَى فَضْلِ اللَّهِ، لَا مَنْسُوبًا إِلَى حَذْقِ الْعَبْدِ، وَالْوُقُوفِ مَعَ السَّبَبِ، وَنِسْيَانُ الْمُسَبَّبِ، فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْحَرَجُ بِعَيْنِهِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ دلالة على أُمُور:
أَحَدُهَا: الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وَأَنَّهُ كَانَ مَعْرُوفًا أَنَّهُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ، فَالْإِفَاضَةُ مِنْ عَرَفَاتٍ، لَاَ تَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الْوُقُوفِ.
الثَّانِي: الأَمْرُ بِذِكْرِ اللَّهِ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، وَهُوَ الْمُزْدَلِفَةُ، وَذَلِكَ أَيْضًا مَعْرُوفٌ، يَكُونُ لَيْلَةَ النَّحْرِ بَائِتًا بِهَا، وَبَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، يَقِفُ فِي الْمُزْدَلِفَةِ دَاعِيًا، حَتَّى يَسْفِرَ جِدًّا، وَيَدْخُلُ فِي ذِكْرِ اللَّهِ عِنْدَهُ، إِيقَاعُ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ فِيهِ.
الثالث: أَنَّ الْوُقُوفَ بِمُزْدَلِفَةَ، مُتَأَخِّرٌ عَنِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْفَاءُ وَالتَّرْتِيبُ.
الرَّابِع، وَالْخَامِسُ: أَنَّ عَرَفَاتٍ وَمُزْدَلِفَةَ، كِلاَهُمَا مِنْ مَشَاعِرِ الْحَجِّ الْمَقْصُودِ فِعْلُهَا، وَإِظْهَارُهَا.
السَّادِسِ: أَنَّ مُزْدَلِفَةَ فِي الْحُرَمِ، كَمَا قَيَّدَهُ بِالْحَرَامِ.
السَّابِعِ: أَنَّ عَرَفَةَ فِي الْحِلِّ، كَمَا هُوَ مَفْهُومُ التَّقْيِيدِ بِـ "مُزْدَلِفَةَ "
﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ أيِّ: اذْكِرُوا اللَّهُ تَعَالَى كَمَا مَنَّّ عَلَيْكُمْ بِالْهِدَايَةِ بَعْدَ الضَّلاَلِ، وَكَمَا عَلِمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ، فَهَذِهِ مِنْ أَكْبَرِ النَّعَمِ، الَّتِي يَجِبُ شُكْرُهَا وَمُقَابَلَتُهَا بِذِكْرِ الْمَنْعِمِ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ.
﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ أيُّ: ثُمَّ أَفَيضُوا مِنْ مُزْدَلِفَةَ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسِ، مِنْ لَدَنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى الْآنَ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْإِفَاضَةِ كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَهُمْ، وَهُوَ رَمْيُ الْجِمَارِ، وَذَبَحَ الْهَدَايَا، وَالطَّوَافِ، وَالسَّعْيُ، وَالْمَبِيتُ بـ "مِنًى "ليَالِي التَّشْرِيقَ وَتَكْمِيلُ بَاقِي الْمَنَاسِكِ.
وَلَمَّا كَانَتْ [هَذِهِ] الْإِفَاضَةُ، يَقْصَدُ بِهَا مَا ذُكَرَ، وَالْمَذْكُورَاتُ آخِرَ الْمَنَاسِكِ، أَمْرٌ تَعَالَى عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا بِاسْتِغْفَارِهِ وَالْإِكْثَارِ مِنْ ذِكْرِهِ، فَالِاسْتِغْفَارُ لِلْخَلَلِ الْوَاقِعِ مِنْ الْعَبْدِ، فِي أَدَاءِ عِبَادَتِهِ وَتَقْصِيرُهُ فِيهَا، وَذَكَرَ اللَّهُ شَكْرَ اللَّهُ عَلَى إنْعَامِهِ عَلَيْهِ بِالتَّوْفِيقِ لِهَذِهِ الْعِبَادَةِ الْعَظِيمَةِ وَالْمِنَّةِ الْجَسِيمَةِ.
وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ، كُلَّمَا فَرَغَ مِنْ عِبَادَةَ، أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهُ عَنْ التَّقْصِيرِ، وَيُشْكِرُهُ عَلَى التَّوْفِيقِ، لَا كَمَنْ يَرَى أَنَّهُ قَدْ أَكْمَلَ الْعِبَادَةَ، وَمَنْ بِهَا عَلَى رَبِّهِ، وَجُعِلَتْ لَهُ مَحَلًّا وَمَنْزِلَةٌ رَفِيعَةً، فَهَذَا حَقِيقٌ بِالْمُقْتِ، وَرَدَّ الْفِعْلِ، كَمَا أَنْ ⦗٩٣⦘ الْأَول، حَقِيقَ بِالْقَبُولِ وَالتَّوْفِيقِ لِأَعْمَالِ أَخْرَ.
ثُم أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ أَحْوَالِ الْخُلْقِ، وَأَنَّ الْجَمِيعَ يَسْأَلُونَهُ مُطَالِبَهُمْ، وَيَسْتَدْفِعُونَهُ مَا يَضُرُّهُمْ، وَلَكِنَّ مَقَاصِدَهُمْ تَخْتَلِفُ، فَمِنْهُمْ: ﴿مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾ أيِّ: يَسْأَلُهُ مِنْ مَطَالِبِ الدُّنْيَا مَا هُوَ مِنْ شَهَوَاتِهِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ، لَرَغْبَتِهِ عَنْهَا، وَقَصَرَ هِمَّتِهُ عَلَى الدُّنْيَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَدْعُو اللَّهَ لِمَصْلَحَةِ الدَّارَيْنِ، وَيَفْتَقِرُ إِلَيْهِ فِي مُهِمَّاتِ دِيْنِهِ وَدُنْيَاهُ، وَكُلُّ مَنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ كَسْبِهِمْ وَعَمَلِهِمْ، وَسَيُجَازِيهِمْ تَعَالَى عَلَى حَسَبِ أَعْمَالِهِمْ، وَهَمَاتِهِمْ وَنِيَّاتِهِمْ، جَزَاءً دَائِرًا بَيْنَ الْعَدْلِ وَالْفَضْلِ، يَحْمَدُ عَلَيْهِ أَكْمَلُ حَمْدٍ وَأَتَمَّهَ، وَفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يُجِيبُ دَعْوَةَ كُلِّ دَاعٍ، مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، أَوْ فَاسِقًا، وَلَكِنْ لَيْسَتْ إجَابَتُهُ دُعَاءً مَنْ دَعَاهُ، دَلِيلًا عَلَى مَحَبَّتِهِ لَهُ وَقُرْبَهُ مِنْهُ، إِلَّا فِي مَطَالِبِ الْآخِرَةِ وَمُهِمَّاتِ الدِّينَ.
وَالْحَسَنَةِ الْمَطْلُوبَةِ فِي الدُّنْيَا يَدْخُلُ فِيهَا كُلُّ مَا يُحْسُنُ وَقَعُهُ عِنْدَ الْعَبْدِ، مِنْ رِزْقِ هَنِيءٍ وَاسِعٌ حَلَالً، وَزَوْجَةً صَالِحَةً، وَوَلَدَ تَقِرُّ بِهِ الْعَيْنُ، وَرَاحَةً، وَعُلِمَ نَافِعٌ، وَعَمِلَ صَالِحً، وَنَحْوَ ذَلِكَ، مِنَ الْمَطَالِبِ الْمَحْبُوبَةِ وَالْمُبَاحَةِ.
وَحَسَنَةِ الآخِرَةِ، هِيَ السَّلَامَةُ مِنْ الْعُقُوبَاتِ، فِي الْقَبْرِ، وَالْمُوَقِفِ، وَالنَّارِ، وَحُصُولُ رِضَا اللَّهِ، وَالْفَوْزِ بِالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَالْقُرْبِ مِنْ الرَّبِّ الرَّحِيمِ، فَصَارَ هَذَا الدُّعَاءَ، أَجْمَعَ دُعَاءً وَأَكْمَلَهُ، وَأَوَّلَاهُ بِالْإِيثَارِ، وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْثُرُ مِنْ الدُّعَاءِ بِهِ، وَالْحَثُّ عَلَيْهِ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout