وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ لما ذُكِرَ فِيمَا تَقَدَّمَ، تَعْظِيمُ الرَّمْيِ بِالزِّنَا عُمُومًا، صَارَ ذَلِكَ كَأَنَّهُ مُقَدَّمَةٌ لِهَذِهِ الْقِصَّةِ، الَّتِي وَقَعَتْ عَلَى أَشْرَفِ النِّسَاءِ، أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَهَذِهِ الْآيَاتُ، نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ الْمَشْهُورَةِ، الثَّابِتَةِ فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ.
وَحَاصِلُهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ، وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ عَائِشَةُ الصَّدِيقَةِ بِنْتُ الصِّدِّيقِ، فَانْقَطَعَ عَقْدُهَا فَانْحَبَسَتْ فِي طَلَبِهِ وَرَحِلُوا جَمَلَهَا وَهُودَجَهَا، فَلَمْ يَفْقِدُوهَا، ثُمَّ اسْتَقَلَّ الْجَيْشُ رَاحِلًا وَجَاءَتْ مَكَانَهُمْ، وَعَلِمْتُ أَنَّهُمْ إِذَا فَقَدُوهَا، رَجَعُوا إِلَيْهَا فَاسْتَمِرُّوا فِي مَسِيرِهِمْ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ، مِنْ أَفَاضِلِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَدْ عَرَسَ فِي أُخْرِيَّاتِ الْقَوْمِ وَنَامَ، فَرَأَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَعَرَفَهَا، فَأَنَاخَ رَاحِلَتُهُ، فَرَكْبْتُهَا مِنْ دُونِ أَنْ يُكَلِّمَهَا أَوْ تَكَلُّمَهُ، ثُمَّ جَاءَ يَقُودُ بِهَا بَعْدَ مَا نَزَلَ الْجَيْشُ فِي الظَّهِيرَةِ، فَلَمَّا رَأَى بَعْضَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ فِي صُحْبَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، فِي ذَلِكَ السَّفَرِ مَجِيءَ صَفْوَانَ بِهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ، أَشَاعَ مَا أَشَاعَ، وَوَشَّى الْحَدِيثَ، وَتَلَقَّفَتُهُ الْأَلْسَنَ، حَتَّى اغْتَرَّ بِذَلِكَ بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ، وَصَارُوا يَتَنَاقَلُونَ هَذَا الْكَلَامَ، وَانْحَبَسَ الْوَحْيُ مُدَّةً طَوِيلَةً عَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم. وَبَلَغَ الْخَبَرُ عَائِشَةَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ، فَحَزَنَتْ حُزْنًا شَدِيدًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَرَاءَتُهَا فِي هَذِهِ الْآيَاتِ، وَوَعَظَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَعْظَمُ ذَلِكَ، وَوَصَاهُمْ بِالْوَصَايَا النَّافِعَةِ. فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ﴾ أيِّ: الكَذِبُ الشَّنِيعُ، وَهُوَ رَمْيُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ أَيُّ: جَمَاعَةُ مُنْتَسِبُونَ إِلَيْكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ، مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُ الصَّادِقُ [فِي إِيمَانِهِ وَلَكِنَّهُ اغْتَرَّ بِتَرْوِيجِ الْمُنَافِقِينَ] (١) وَمِنْهُمْ الْمُنَافِقُ.
﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لَمَا تَضْمَنُ ذَلِكَ تَبْرِئَةُ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَنَزَاهَتِهَا، وَالتَّنْوِيهِ بِذِكْرِهَا، حَتَّى تَنَاوَلَ عُمُومُ الْمَدْحِ سَائِرُ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وَلَمَّا تَضْمَّنَ مِنْ بَيَانِ الْآيَاتِ الْمُضْطَرِّ إِلَيْهَا الْعِبَادَ، الَّتِي مَا زَالَ الْعَمَلُ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَكُلُّ هَذَا خَيْرٌ عَظِيمٌ، لَوْلَا مَقَالَةَ أَهْلِ الْإِفْكِ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَمْرًا جُعَلَ لَهُ سَبَبًا، وَلِذَلِكَ جَعَلَ الْخِطَابَ عَامًّا مَعَ الْمُؤْمِنِينَ كُلُّهُمْ، وَأَخْبَرَ أَنَّ قَدَحَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ كَقَدَحٍ فِي أَنْفُسِهِمْ، فَفِيهِ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحِمِهِمْ وَتَعَاطُفُهُمْ، وَاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى مَصَالِحِهِمْ، كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ، وَالْمُؤْمِنِ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضَهُ بَعْضًا، فَكَمَا أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَقْدَحَ أَحَدٌ فِي عِرْضِهِ، فَلْيُكْرَهْ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ، أَنْ يَقْدَحَ فِي أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ، الَّذِي بِمَنْزِلَةِ نَفْسِهِ، وَمَا لَمْ يُصِلِّ الْعَبْدُ إِلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، فَإِنَّهُ مِنْ نَقْصِ إِيمَانِهِ وَعَدَمِ نَصْحِهِ.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ﴾ وَهَذَا وَعِيدٌ لِلَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ، وَأَنَّهُمْ سَيُعَاقِبُونَ عَلَى مَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ حَدَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً، ﴿وََالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ أي: مُعْظَمُ الْإِفْكِ، وَهُوَ الْمُنَافِقُ الْخَبِيثُ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ -لعَنَهُ اللَّه- ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ألا وَهُوَ الْخُلُودُ فِي الدَّرَكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ.
ثُمَّ أَرْشَدَ اللَّهُ عِبَادَهُ عِنْدَ سَمَاعِ مِثْلِ هَذَا الْكَلَاَمِ فَقَالَ: ﴿لَوْلا إِِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ أَيِّ: ظَنُّ الْمُؤْمِنُونَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ خَيْرًا، وَهُوَ السَّلَامَةُ مِمَّا رُمُوا بِهِ، وَأَنَّ مَا مَعَهُمْ مِنْ الْإِيمَانِ الْمَعْلُومِ، يَدْفَعُ مَا قِيلَ فِيهِمْ مِنْ الْإِفْكِ الْبَاطِلِ، ﴿ُوَقَالُوا﴾ بسَبَبِ ذَلِكَ الظَّنِّ ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أَيُّ: تَنْزِيهَا لَكَ مِنْ كُلِّ سُوءً، وَعَنْ أَنْ تَبْتَلِيَ أَصْفِيَاءَكَ بِالْأُمُورِ الشَّنِيعَةِ، ﴿هَذَا إِِفْكٌ مُبِينٌ﴾ أَيُّ: كَذِبَ وَبِهْتَ، مِنْ أَعْظَمِ الْأَشْيَاءِ، وَأَبْينَهَا. فَهَذَا مِنَ الظَّنِّ الْوَاجِبِ، حِينَ سَمَاعِ الْمُؤْمِنِ عَنْ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ، مِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ، أَنْ يُبْرِئَهُ بِلِسَانِهِ، وَيُكَذِّبُ الْقَائِلُ لِذَلِكَ.
﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ أي: هلا جَاءَ الرَّامُونُ عَلِى مَا رُمُوا بِهِ، بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ أَيْ: عُدُولُ مَرْضِيَيْنِ. ﴿فَإِِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ وإِنْ كَانُوا فِي أَنْفُسِهِمْ قَدْ تَيَقَّنُوا ذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ كَاذِبُونَ فِي حُكْمِ اللَّهِ، لِأَنَّ اللَّهَ حَرُمَ عَلَيْهِمْ التَّكَلُّمُ بِذَلِكَ، مِنْ دُونِ أَرْبَعَةِ شُهُودٍ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَأُوَلَئِِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ وَلمْ يَقُلْ " فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ " وَهَذَا كُلُّهُ، مِنْ تَعْظِيمِ حُرْمَةِ عَرْضِ الْمُسْلِمِ، بِحَيْثُ لَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَى رَمْيِهِ، مِنْ دُونِ نِصَابِ الشَّهَادَةِ بِالصِّدْقِ.
﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ بحَيْثُ شَمَلَكُمْ إِحْسَانَهُ فِيهِمَا، فِي أَمْرِ دِينِكُمْ وَدُنْيَاكُمْ، ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَفَضْتُمْ﴾ أي: خَضْتُمُ ﴿فَِيهِِ﴾ مِنْ شَأْنِ الإِفْكِ ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ لِاسْتِحْقَاقِكُمْ ذَلِكَ بِمَا قُلْتُمْ، وَلَكِنْ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ، أَنْ ⦗٥٦٤⦘ شرع لكم التَّوْبَةَ، وَجَعَلَ الْعُقُوبَةَ مُطْهَّرَةً لِلذُّنُوبِ.
﴿إِِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ أي: تَلَقِفُونهُ، وَيُلْقِيهِ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَتُسْتُوشُونَ حَدِيثَهُ، وَهُوَ قَوْلٌ بَاطِلً. ﴿ُوَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ والأَمْرَانُ مَحْظُورَانِ، التَّكَلُّمُ بِالْبَاطِلِ، وَالْقَوْلُ بِلَاَ عِلْمٍ، ﴿ُوَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾ فلذلك أَقْدِمُ عَلَيْهِ مَنْ أَقْدَمَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ تَابُوا مِنْهُ، وَتَطَهَّرُوا بَعْدَ ذَلِكَ، ﴿وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ وهَذَا فِيهِ الزَّجْرُ الْبَلِيغُ، عَنْ تَعَاطِي بَعْضِ الذُّنُوبِ عَلَى وَجْهِ التَّهَاوُنِ بِهَا، فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يُفِيدُهُ حُسْبَانَهُ شَيْئًا، وَلَا يُخَفَّفُ مِنْ عُقُوبَةِ الذَّنْبِ، بَلْ يُضَاعِفُ الذَّنْبَ، وَيَسْهُلُ عَلَيْهِ مُوَاقَعَتُهُ مَرَّةً أُخْرَى.
﴿ولَوْلا إِِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ أي: وَهَلاَ إِذْ سَمِعْتُمْ -أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ- كَلَاَمُ أَهْلِ الْإِفْكِ ﴿قُِلْتُمْ﴾ مُنْكَرِينَ لِذَلِكَ، مُعْظَمِينَ لِأَمْرِهِ: ﴿مَا يََكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ أي: مَا يَنْبَغِي لَنَا، وَمَا يَلِيقُ بِنَا الْكَلَاَمِ، بِهَذَا الْإِفْكِ الْمُبِيِّنِ، لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ يَمْنَعُهُ إيمَانُهُ مِنْ ارْتِكَابِ الْقَبَائِحِ ﴿هََذَا بُهْتَانٌ﴾ أي: كَذِب عَظِيم. ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ﴾ أي: لنَظِيرِهِ، مِنْ رَمْيِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْفُجُورِ، فَاَللَّهُ يَعَظُّكُمْ وَيَنْصِحُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَنَعَمَ الْمَوَاعِظُ وَالنَّصَائِحُ مِنْ رَبِّنَا فَيَجِبُ عَلَيْنَا مُقَابَلَتُهَا بِالْقَبُولِ وَالْإِذْعَانِ، وَالتَّسْلِيمِ وَالشُّكْرِ لَهُ، عَلَى مَا بَيَّنَ لَنَا ﴿إِِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ الصَّادِقَ، يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنْ الْإِقْدَامِ عَلَى الْمُحَرَّمَاتِ. ﴿ُوََيُبََيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ﴾ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى بَيَانِ الأَحْكَامِ، وَالْوَعْظِ، وَالزَّجْرِ، وَالتَّرْغِيبِ، وَالتَّرْهِيبُ، يُوَضِّحُهَا لَكُمْ تَوْضِيحًا جَلِيًا. ﴿وََاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ أيِّ: كَامِلُ الْعِلْمِ عَامَ الْحِكْمَةُ، فَمَنْ عَلْمَهُ وَحِكْمَتُهُ، أَنَّ عِلْمَكُمْ مِنْ عِلْمِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ رَاجِعًا لِمَصَالِحِكُمْ فِي كُلِّ وَقْتَ.
﴿إِِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ أي: الأُمُورُ الشَّنِيعَةُ الْمُسْتَقْبَحَةُ الْمُسْتَعْظِمَةُ، فَيُحِبُّونَ أَنْ تَشْتَهِرَ الْفَاحِشَةُ ﴿فَِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أَيِّ: مَوجِعٌ لِلْقَلْبِ وَالْبَدَنِ، وَذَلِكَ لُغَشَهُ لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَحَبَّةُ الشَّرِّ لَهُمْ، وَجِرَاءَتُهُ عَلَى أَعْرَاضِهِمْ، فَإِذَا كَانَ هَذَا الْوَعِيدُ، لِمُجَرَّدِ مَحَبَّةٍ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةِ، وَاسْتِحْلَاءُ ذَلِكَ بِالْقَلْبِ، فَكَيْفَ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، مِنْ إِظْهَارِهِ، وَنَقَلَهُ؟ " وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْفَاحِشَةُ، صَادِرَةً أَوْ غَيْرَ صَادِرَةً.
وَكُلُّ هَذَا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَصِيَانَةُ أَعْرَاضِهِمْ، كَمَا صَانَ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، وَأَمَرَهُمْ بِمَا يَقْتَضِي الْمُصَافَاةَ، وَأَنْ يُحِبَّ أَحَدُهُمْ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَيُكْرَهُ لَهُ مَا يُكْرَهُ لِنَفْسِهِ. ﴿وََاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ فلذلك علمكُمْ، وَبَيْنَ لَكُمْ مَا تَجْهَلُونَهُ.
﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ قَدِ أَحَاطَ بِكُمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ﴿ُوَرَحْمَتُهُ﴾ عليكم ﴿وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ لَمَّا بَيْنَ لَكُمْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ وَالْمَوَاعِظُ، وَالْحُكْمُ الْجَلِيلَةُ، وَلَمَّا أَمْهَلَ مَنْ خَالَفَ أَمْرَهُ، وَلَكِنَّ فَضْلَهُ وَرَحْمَتُهُ، وَأَنَّ ذَلِكَ وَصْفَهُ اللَّازِمُ آثَرَ لَكُمْ مِنْ الْخَيْرِ الدُّنْيَوِيِّ وَالْأُخْرَوِيِّ، مَا لَنْ تَحْصُوَهُ، أَوْ تَعَدُّوهُ.
وَلَمَّا نَهَى عَنْ هَذَا الذَّنْبِ بِخُصُوصِهِ، نَهَى عَنِ الذُّنُوبِ عُمُومًا فَقَالَ: ﴿ِيَا أََيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ أيِّ: طَرَّقهُ وَوَسَاوُسُهُ.
وَخَطَوَاتُ الشَّيْطَانِ، يَدْخُلُ فِيهَا سَائِرُ الْمَعَاصِي الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْقَلْبِ، وَاللِّسَانِ وَالْبَدَنِ. وَمِنْ حِكْمَتِهِ تَعَالَى، أَنَّ بَيْنَ الْحُكْمِ، وَهُوَ: النَّهْيُ عَنْ اتِّبَاعِ خُطَوَاتِ الشَّيْطَانِ. وَالْحِكْمَةِ وَهُوَ بَيَانُ مَا فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، مِنْ الشَّرِّ الْمُقْتَضِي، وَالدَّاعِي لِتَرْكِهِ فَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ﴾ أي: الشَّيْطَانُ ﴿يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ أَي: مَا تَسْتَفْحِشُهُ الْعُقُولُ وَالشَّرَائِعُ، مِنَ الذُّنُوبِ الْعَظِيمَةِ، مَعَ مَيْلِ بَعْضِ النُّفُوسِ إِلَيْهِ. ﴿وََالْمُنْكَرِ﴾ وَهُو مَا تَنْكِرُهُ الْعُقُولُ وَلَا تُعْرِفُهُ. فَالْمَعَاصِي الَّتِي هِيَ خُطُوَاتُ الشَّيْطَانِ، لَاَ تَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ، فَنَهْيَ اللَّهُ عَنْهَا لِلْعِبَادِ، نِعْمَةٌ مِنْهُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُشْكِرُوهُ وَيَذْكُرُوهُ، لِأَنَّ ذَلِكَ صِيَانَةً لَهُمْ عَنْ التَّدَنُّسِ بِالرَّذَائِلِ وَالْقَبَائِحِ، فَمِنْ إِحْسَانِهِ عَلَيْهِمْ، أَنَّ نَهَاهُمْ عَنْهَا، كَمَا نَهَاهُمْ عَنْ أَكْلِ السُّمُومِ الْقَاتِلَةِ وَنَحْوِهَا، ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أََبَدًا﴾ أَيُّ: مَا تَطْهُرُ مِنْ اتِّبَاعِ خُطَوَاتِ الشَّيْطَانِ، لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَسْعَى، هُوَ وَجِنْدُهُ، فِي الدَّعْوَةِ إِلَيْهَا وَتَحْسِينُهَا، وَالنَّفْسِ مِيَالَةً إِلَى السُّوءِ أَمَارَةٌ بِهِ، وَالنَّقْصُ مَسْتُولٌ عَلَى الْعَبْدِ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ، وَالْإِيمَانِ غَيْرُ قَوِيٍّ، فَلَوْ خَلِّيَ وَهَذِهِ الدَّوَاعِي، مَا زَكَّى أَحَدٌ بِالتَّطَهُّرِ مِنْ الذُّنُوبِ وَالسَّيِّئَاتِ وَالنَّمَاءِ بِفِعْلِ الْحَسَنَاتِ، فَإِنَّ الزَّكَاءَ يَتَضَمَّنُ الطَّهَارَةَ وَالنَّمَاءَ، وَلَكِنَّ فَضْلَهُ وَرَحْمَتُهُ أَوْجَبَا أَنْ يَتَزَكَّى مِنْكُمْ مَنْ تُزَكَّى.
وَكَانَ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكَهَا أَنْتَ خَيْرٌ مِنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا " وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ مَنْ يَعْلَمُ مِنْهُ أَنْ يُزَكَّى بِالتَّزْكِيَةِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
﴿وَلا يَأْتَلِ﴾ أي: لا يَحْلِفُ ﴿أَُوَلُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْخَائِضِينَ فِي الْإِفْكِ " مُسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ " وَهُوَ قَرِيبٌ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَانَ مُسْطَحٌ فَقِيرًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ لَا يُنْفِقَ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ الَّذِي قَالَ.
فَنَزَلْتُ هَذِهِ الْآيَةَ، يَنْهَاهُمْ (٢) عَنْ هَذَا الْحَلِفِ الْمُتَضَمِّنِ لِقَطْعِ النَّفَقَةِ عَنْهُ، وَيَحِثُّهُ عَلَى الْعَفْوِ وَالصُّفْحِ، وَيُعُدُّهُ بِمَغْفِرَةِ اللَّهِ إِنْ غَفَرَ لَهُ، فَقَالَ: ⦗٥٦٥⦘ ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إِذَا عَامَلْتُمْ عُبَيْدُهُ، بِالْعَفْوِ وَالصُّفْحِ، عَامِلُكُمْ بِذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ - لَمَّا سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ-: بَلِى، وَاَللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي، فَرَجَعَ النَّفَقَةَ إِلَى مُسْطَحٍ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَى الْقَرِيبِ، وَأَنَّهُ لَا تُتْرُكُ النَّفَقَةَ وَالْإِحْسَانَ بِمَعْصِيَةِ الْإِنْسَانِ، وَالْحَثِّ عَلَى الْعَفْوِ وَالصُّفْحِ، وَلَوْ جَرَى عَلَيْهِ مَا جَرَى مِنْ أَهْلِ الْجَرَائِمِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْوَعِيدُ الشَّدِيدَ عَلَى رَمْيِ الْمُحْصَنَاتِ فَقَالَ: ﴿إِِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ أي: الْعَفَائِفُ عَنِ الْفُجُورِ ﴿َالِْغَافِِلاتِِ﴾ التِي لَمْ يَخْطُرْ ذَلِكَ بِقُلُوبِهِنَّ ﴿الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ واللعْنَةُ لا تَكُونُ إِلَّاَّ عَلَى ذَنْبٍ كَبِيرٍ.
وَأَكْدُ اللَّعْنَةِ بِأَنَّهَا مُتَوَاصِلَةٌ عَلَيْهِمْ فِي الدَّارَيْنِ ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وهَذَا زِيَادَةً عَلَى اللَّعْنَةِ، أَبْعَدُهُمْ عَنْ رَحْمَتِهِ، وَأَحِلَّ بِهِمْ شِدَّةُ نَقْمَتِهِ.
وَذَلِكَ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿َيَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فَكُلُّ جَارِحَةِ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِمَا عَمِلْتُهُ، يَنْطِقُهَا الَّذِي أَنْطَقَ كُلُّ شَيْءٍ، فَلَا يُمْكِنُهُ الْإِنْكَارُ، وَلَقَدْ عَدَلَ فِي الْعِبَادِ، مِنْ جَعَلَ شُهُودَهُمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، ﴿َيَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ أي: جَزَاءُهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، الْجَزَاءُ الْحَقِّ، الَّذِي بِالْعَدْلِ وَالْقِسْطِ، يَجِدُونَ جَزَاءَهَا مُوَفِرًا، لَمْ يَفْقُدُوا مِنْهَا شَيْئًا، ﴿ُوََيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ وَيَعْلِمُونَ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ الْعَظِيمِ، أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبَيَّنُ، فَيَعْلَمُونَ انْحِصَارَ الْحَقِّ الْمُبَيَّنِ فِي اللَّهِ تَعَالَى.
فَأَوْصَافُهُ الْعَظِيمَةَ حَقًّ، وَأَفْعَالُهُ هِيَ الْحَقُّ، وَعِبَادَتُهُ هِيَ الْحَقُّ، وَلَقَاؤُهُ حَقًّ، وَوَعَدَهُ وَوَعِيدُهُ، وَحُكْمُهُ الدِّينِيُّ وَالْجَزَائِيُّ حَقٌّ، وَرُسُلَهُ حَقًّ، فَلَاَ ثُمَّ حَقًّ، إِلَّاَّ فِي اللَّهِ وَمَا مِنَ اللَّهِ.
﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ أَيُّ: كُلُّ خَبَيثُ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَالْكَلِمَاتِ وَالأَفْعَالِ، مُنَاسِبٌ لِلْخَبِيثِ، وَمُوَافِقٌ لَهُ، وَمُقْتَرِنٌ بِهِ، وَمُشَاكِلٌ لَهُ، وَكُلُّ طِيبٍ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَالْكَلِمَاتِ وَالْأَفْعَالِ، مُنَاسِبٌ لِلطِّيبِ، وَمُوَافِقٌ لَهُ، وَمُقْتَرِنٌ بِهِ، وَمُشَاكِلٌ لَهُ، فَهَذِهِ كَلِمَةُ عَامَّةٌ وَحَصْرٌ، لَاَ يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ، مِنْ أَعْظَمَ مُفْرَدَاتِهِ، أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ -خُصُوصًا أُولِي الْعَزْمِ مِنْهُمْ، خُصُوصًا سَيِّدُهُمْ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ الطَّيبَيْنِ مِنَ الْخَلْقِ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَاَ يُنَاسِبُهُمْ إِلَّاَّ كُلُّ طِيبٍ مِنَ النِّسَاءِ، فَالْقَدْحُ فِي عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِهَذَا الْأَمْرِ قَدَحٌ فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِهَذَا الْإِفْكِ، مِنْ قَصْدِ الْمُنَافِقِينَ، فَمُجَرَّدُ كَوْنِهَا زَوْجَةً لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، يَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّاَّ طَيِّبَةً طَاهِرَةً مِنْ هَذَا الْأَمْرِ الْقَبِيحِ.
فَكَيْفَ وَهِيَ هِيَ؟ " صَدِيقَةُ النِّسَاءِ وَأَفْضَلُهُنَّ وَأَعْلَمُهُنَّ وَأُطْيَبَهُنَّ، حَبِيبَةُ رَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الَّتِي لَمْ يَنْزِلْ الْوَحْيَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي لِحَافِ زَوْجَةٍ مِنْ زَوْجَاتِهِ غَيْرِهَا، ثُمَّ صَرَّحَ بِذَلِكَ، بِحَيْثُ لَا يَبْقَى لِمُبْطِلٍ مَقَالًا وَلَا لِشَكٍّ وَشُبْهَةٍ مَجَالًا فَقَالَ: ﴿أَُوَلََئِِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ والإِشَارَةُ إِلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَصْلًاً وَلِلْمُؤْمِنَاتِ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ تَبَعًا ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ تَسْتَغْرِقُ الذُّنُوبُ ﴿ُوَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ فِي الْجَنَّةِ صَادِرٌ مِنَ الرَّبِّ الْكَرِيمِ.
1 (١) زيادة من هامش: ب. (٢) كذا في النسختين
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout