يقول (١) تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ جمع - هلال - مَا فَائِدَتُهَا وَحِكْمَتُهَا؟ أَوْ عَنْ ذَاتِهَا، ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ أيِّ: جَعَلها اللَّهُ تَعَالَى بِلَطْفِهِ وَرَحْمَتِهُ عَلَى هَذَا التَّدْبِيرِ يَبْدُو الْهِلَاَلَ ضَعِيفًا فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ، ثُمَّ يَتَزَايَدُ إِلَى نِصْفِهِ، ثُمَّ يُشْرَعُ فِي النَّقْصِ إِلَى كَمَالِهِ، وَهَكَذَا، لِيَعْرِفَ النَّاسُ بِذَلِكَ، مَوَاقِيتُ عِبَادَاتُهُمْ مِنَ الصِّيَامِ، وَأَوْقَاتِ الزَّكَاةِ، وَالْكَفَّارَاتِ، وَأَوْقَاتِ الْحَجِّ.
وَلَمَّا كَانَ الْحَجُّ يَقَعُ فِي أَشْهُرٍ مَعْلُومَاتٍ، وَيَسْتَغْرِقُ أَوْقَاتًا كَثِيرَةً قَالَ: ﴿وََالْحَجِّ﴾ وَكَذلك تَعْرِفُ بِذَلِكَ، أَوْقَاتِ الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَاتِ، وَمُدَّةُ الْإِجَارَاتِ، وَمُدَّةِ الْعَدَدِ وَالْحَمْلِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مِنْ حَاجَاتِ الْخُلْقِ، فَجَعَلَهُ تَعَالَى، حِسَابًا، يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ، مِنْ صَغِيرٍ، وَكَبِيرٍ، وَعَالِمٍ، وَجَاهِلٌ، فَلَوْ كَانَ الْحِسَابُ بِالسُّنَّةِ الشَّمْسِيَّةِ، لَمْ يَعْرِفْهُ إِلَّاَّ النَّادِرُ مِنَ النَّاسِ.
﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ وهَذَا كَمَا كَانَ الأَنْصَارُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعَرَبِ، إِذَا أَحْرَمُوا، لَمْ يَدْخُلُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا، تَعَبُّدًا بِذَلِكَ، وَظَنًّا أَنَّهُ بُرّ. فَأَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِبَرٍّ (٢) لأَنَّ اللَّهُ تَعَالَى، لَمْ يَشْرَعْهُ لَهُمْ، وَكُلُّ مَنْ تَعَبَّدَ بِعِبَادَةٍ لَمْ يَشْرَعْهَا اللَّهُ وَلَاَ رَسُولَهُ، فَهُوَ مُتَعَبِّدٌ بِبِدْعَةٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا لِمَا فِيهِ مِنْ السُّهُولَةِ عَلَيْهِمْ، الَّتِي هِيَ قَاعِدَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْ إشَارَةِ الْآيَةِ أَنَّهُ يَنْبَغِي فِي كُلِّ أَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ، أَنْ يَأْتِيَهُ الْإِنْسَانُ مِنْ الطَّرِيقِ السَّهْلَ الْقَرِيبَ، الَّذِي قَدْ جَعَلَ لَهُ مُوَصِلًا فَالْآمِرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّاهِي عَنْ الْمُنْكَرِ، يَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ فِي حَالَةِ الْمَأْمُورِ، وَيُسْتَعْمَلُ مَعَهُ الرِّفْقُ وَالسِّيَاسَةُ، الَّتِي بِهَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ أَوْ بَعْضَهُ، وَالْمُتَعَلِّمُ وَالْمُعَلَّمُ، يَنْبَغِي أَنْ يُسْلِكَ أَقْرَبَ طَرِيقٍ وَأَسْهَلَهُ، يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُهُ، وَهَكَذَا كُلٌّ مِنْ حَاوَلَ أَمْرًا مِنْ الْأُمُورِ وَأَتَاهُ مِنْ أَبْوَابِهِ وَثَابِرَ عَلَيْهِ، ⦗٨٩⦘ فَلَا بُد أَنْ يَحْصُلَ لَهُ الْمَقْصُودُ بِعَوْنِ الْمِلْكِ الْمَعْبُودِ.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ هذا هو البرُّ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَهُوَ لُزُومٌ تَقَوَاهُ عَلَى الدَّوَامِ، بِامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ، وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ، فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِلْفَلَاحِ، الَّذِي هُوَ الْفَوْزُ بِالْمَطْلُوبِ، وَالنَّجَاةِ مِنَ الْمَرْهُوبِ، فَمَنْ لَمْ يَتَّقِ اللَّهُ تَعَالَى، لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبِيلٌ إِلَى الْفَلَاحِ، وَمَنْ اتَّقَاهُ، فَازَ بِالْفَلَاحِ وَالنُّجَاحِ.
1 (١) في ب: فقوله. (٢) في ب: ليس من البر.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout