﴿وََالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ * وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ .
﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ أَيِّ: يَعْطُوْنَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ مِمَّا أَمِرُوا بِهِ، مَا آتُوا مِنْ كُلِّ مَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، مِنْ صَلَاَةٍ، وَزَكَاةً، وَحَجٍّ، وَصَدَقَةً، وَغَيْرُ ذَلِكَ، ﴿َو﴾ مَعَ هَذَا ﴿قَُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أي: خَائِفَةُ ﴿أََنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ أيُّ: خَائِفَةُ عِنْدَ عَرْضِ أَعْمَالِهَا عَلَيْهِ، وَالْوُقُوفُ بَيْنَ يَدَيْهِ، أَنْ تَكُونَ أَعْمَالُهُمْ غَيْرَ مَنْجِيَةٍ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، لِعِلْمِهِمْ بِرَبِّهِمَ، وَمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ أَصْنَافِ الْعِبَادَاتِ.
﴿أُوَلَئِِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ أي: فِي مَيْدَانِ التَّسَارُعِ فِي أَفْعَالِ الْخَيْرِ، هَمُّهُمْ مَا يَقْرِّبُهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَإِرَادَتُهِمْ مَصْرُوفَةٌ فِيمَا يُنْجِي مِنْ عَذَابِهِ، فَكُلُّ خَيْرٍ سَمِعُوا بِهِ، أَوْ سَنِحَتْ لَهُمْ الْفُرْصَةُ إِلَيْهِ، انْتَهَزُوهُ وَبَادَرُوهُ، قَدْ نَظَرُوا إِلَى أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَأَصْفِيَائِهِ، أَمَامَهُمْ، وَيَمْنَةً، وَيَسْرَةً، يُسَارِعُونَ فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَيُنَافِسُونَ فِي الزُّلْفَى عِنْدَ رَبِّهِمَ، فَنَافِسُوهُمْ. وَلَمَّا كَانَ السَّابِقُ لِغَيْرِهِ الْمُسَارِعُ قَدْ يَسْبِقُ لِجَدِّهِ وَتَشْمِيرِهِ، وَقَدْ لَا يَسْبِقُ لِتَقْصِيرِهِ، أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ هَؤُلَاءِ مِنَ الْقِسْمِ السَّابِقِينَ فَقَالَ:
﴿وَهُمْ لَهَا﴾ أي: للخَيْرَاتِ ﴿سَابِقُونَ﴾ قَدْ بَلَغُوا ذُرْوْتَهَا، وَتَبَارُوا هُمْ وَالرَّعِيلُ الْأَوَّلَ، وَمَعَ هَذَا، قَدْ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ سَابِقَةُ السَّعَادَةِ، أَنَّهُمْ سَابِقُونَ.
وَلَمَّا ذَكِرَ مُسَارَعَتَهُمْ إِلَى الْخَيْرَاتِ وَسَبَقَهُمْ إِلَيْهَا، رُبَّمَا وَهُمْ وَاهُمْ أَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْهُمْ وَمِنْ غَيْرِهِمْ أَمْرٌ غَيْرُ مَقْدُورٍ أَوْ مُتَعَسِّرٍ، أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ ﴿نَفْسًا إِِلا وُسْعَهَا﴾ أي: بِقَدْرِ مَا تَسَعَهُ، وَيَفْضُلُ مِنْ قُوتِهَا عَنْهُ، لَيْسَ مِمَّا يَسْتَوْعِبُ قُوتَهَا، رَحْمَةً مِنْهُ وَحِكْمَةً، لِتَيْسِيرِ طَرِيقِ الْوُصُولِ إِلَيْهِ، وَلِتَعْمُّرِ جَادَّةِ السَّالِكِينَ فِي كُلِّ وَقْتٍ إِلَيْهِ. ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾ وهُو الكِتَابُ الْأَوَّلِ، الَّذِي فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ، وَهُوَ يُطَابِقُ كُلُّ وَاقِعٍ يَكُونُ، فَلِذَلِكَ كَانَ حَقًّا، ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ أَيُّ لاَ يَنْقُصُ مِنْ إِحْسَانِهِمْ، وَلَاَ يَزْدَادُ فِي عُقُوبَتِهِمْ وَعِصْيَانِهِمْ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout