وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلُ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِيْنِ﴾ لَمَّا ذَكِرَ تَعَالَى مُوسَى وَمُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ، وَكِتَابَيْهِمَا قَالَ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أَيِّ: مَنْ قَبْلِ إِرْسَالِ مُوسَى وَمُحَمَّدٍ وَنُزُولُ كِتَابِيْهِمَا، فَأَرَاهُ اللَّهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَأَعْطَاهُ مِنَ الرُّشْدِ، الَّذِي كَمَّلَ بِهِ نَفْسَهُ، وَدَعَا النَّاسُ إِلَيْهِ، مَا لَمْ يُؤْتِهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، غَيْرُ مُحَمَّدٍ، وَأَضَافَ الرُّشْدُ إِلَيْهِ، لِكَوْنِهِ رُشْدًا، بِحَسَبِ حَالِهِ، وَعُلُوِّ مَرْتَّبَتِهِ، وَإِلَّا فَكُلُّ مُؤْمِنٍ، لَهُ مِنْ الرُّشْدِ، بِحَسَبِ مَا مَعَهُ مِنْ الْإِيمَانِ. ﴿ُوَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ أيِّ: أَعْطِيْنَاهُ رُشْدَهُ، وَاخْتَصَصْنَاهُ بِالرِّسَالَةِ وَالْخَلَّةِ، وَاصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، لِعِلْمْنَا أَنَّهُ أَهْلٌ لِذَلِكَ، وَكُفْءَ لَهُ، لِزَكَائِهِ وَذِكَائِهِ، وَلِهَذَا ذَكَرَ مُحَاجَتَهُ لِقَوْمِهِ، وَنَهْيِهِمْ عَنِ الشِّرْكِ، وَتَكْسِيرِ الْأَصْنَامِ، وَإِلْزَامِهِمْ بِالْحُجَّةِ، فَقَالَ: ﴿إِِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ﴾ التِي مُثْلتَمُوهَا، وَنَحْتُمُوهَا بِأَيْدِيكُمْ، عَلَى صُوَرِ بَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ ﴿َالَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ مُقَيمُونِ عَلِى عِبَادَتِهَا، مُلَازِمُونَ لِذَلِكَ، فَمَا هِيَ؟ وَأَيُّ فَضِيلَةٌ ثَبَتَتْ لَهَا؟ وَأَيْنَ عُقُولُكُمْ، الَّتِي ذَهَبَتْ حَتَّى أَفْنَيْتُمْ أَوْقَاتُكُمْ بِعِبَادَتِهَا؟ وَالْحَالُ أَنَّكُمْ مُثَلْتُمُوهَا، وَنَحْتُمُوهَا بِأَيْدِيكُمْ، فَهَذَا مِنْ أَكْبَرِ الْعَجَائِبِ، تَعْبُدُونَ مَا تَنْحَتُونَ.
⦗٥٢٦⦘
فأجابوا بغَيْرُ حَجَّةَ، جَوَابُ الْعَاجِزِ، الَّذِي لَيْسَ بِيَدِهِ أَدْنَى شُبْهَةَ فَقَالُوا: ﴿ُوَجَدْنَا آبَاءَنَا﴾ كَذَلك يَفْعَلُونَ، فَسَلَكَنَا سَبِيلَهُمْ، وَتَبِعْنَاهُمْ عَلَى عِبَادَتِهَا، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ فِعْلَ أَحَدٍ مِنْ الْخَلْقِ سِوَى الرُّسُلِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَلَا تَجُوزُ بِهِ الْقُدْوَةُ، خُصُوصًا، فِي أَصْلِ الدِّينِ، وَتَوْحِيدِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلِهَذَا قَالَ لَهُمْ إِبْرَاهِيمُ مُضَلِّلًا لِلْجَمِيعِ: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أَيُّ: ضَلاَلُ بَيْنَ وَاضِحٍ، وَأَيُّ ضَلَاَل، أَبْلَغُ مِنْ ضَلَاَلِهِمْ فِي الشِّرْكِ، وَتَرَكَ التَّوْحِيدِ؟ " أَيْ: فَلَيْسَ مَا قُلْتُمْ، يَصْلُحُ لِلتَّمَسُّكِ بِهِ، وَقَدْ اشْتَرَكْتُمْ وَإِيَّاهُمْ فِي الضَّلَالِ الْوَاضِحِ، الْبَيِّنُ لِكُلِّ أَحَدٍ.
﴿قَالُوا﴾ عَلى وَجْهِ الِاسْتِغْرَابِ لِقَوْلِهِ، وَالِاسْتِعْظَامِ لِمَّا قَالَ، وَكَيْفَ بَادَأَهُمْ بِتَسْفِيهِهِمْ، وَتَسْفِيهِ آبَائِهِمْ: ﴿أََجِِئِْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاعِبِينَ﴾ أَيُّ: هَذَا الْقَوْلُ الَّذِي قِلْته، وَاَلَّذِي جِئْتُنَا بِهِ، هَلْ هُوَ حَقٌّ وَجِدَ؟ أُمُّ كَلَامِكَ لَنَا، كَلَامُ لاعِبٍ مُسْتَهْزِئٍ، لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ؟ وَهَذَا الَّذِي أَرَادُوا، وَإِنَّمَا رَدَّدُوا الْكَلَامَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، لِأَنَّهُمْ نَزَلُوهُ مَنْزِلَةَ الْمُتَقَرِّرِ الْمَعْلُومِ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ، أَنَّ الْكَلَامَ الَّذِي جَاءَ بِهِ إِبْرَاهِيمَ، كَلَامُ سَفِيهِ لَا يَعْقِلُ مَا يَقُولُ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ إِبْرَاهِيمُ رَدًّا بَيَّنَ بِهِ وَجْهُ سَفَهِهِمَ، وَقِلَّةُ عُقُولِهِمْ فَقَالَ: ﴿بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ فَجَمَعَ لَهُمْ بَيْنَ الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ، وَالدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ.
أَمَّا الدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ، فَإِنَّهُ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أَحَدٍ حَتَّى هَؤُلَاَءِ الَّذِينَ جَادِلَهُمْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ، الْخَالِقُ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ، مِنْ بَنِي آدَمَ، وَالْمَلَائِكَةُ، وَالْجِنِّ، وَالْبَهَائِمِ، وَالسَّمَاوَاتِ، وَالْأَرْضَ، الْمُدَبَّرُ لَهُنَّ، بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ التَّدْبِيرِ، فَيَكُونُ كُلُّ مَخْلُوقٍ مَفْطُورًا مُدَبَّرًا مُتَصَرِّفًا فِيهِ، وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ، جَمِيعُ مَا عَبْدٌ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
أَفِيَلِيقُ عِنْدَ مَنْ لَهُ أَدْنَى مَسْكَةً مِنْ عَقْلٍ وَتَمْيِيزٍ، أَنْ يَعْبُدَ مَخْلُوقًا مُتَصَرِّفًا فِيهِ، لَا يَمْلِكُ نَفْعًا، وَلَا ضِرًّا، وَلَا مَوْتًا، وَلَاَ حَيَاةً، وَلَا نُشُورًا، وَيَدَعُ عِبَادَةَ الْخَالِقِ الرَّازِقِ الْمُدَبَّرَ؟
أَمَّا الدَّلِيلُ السَّمْعِي: فَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَإِنَّ مَا جَاءُوا بِهِ مَعْصُومٌ لَا يَغْلِطُ وَلَا يُخْبِرُ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَمِنْ أَنْوَاعِ هَذَا الْقِسْمِ شَهَادَةُ أَحَدٍ مِنْ الرُّسُلِ عَلَى ذَلِكَ فَلِهَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ: ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ﴾ أي: أَنَّ اللَّهُ وَحْدَهُ الْمَعْبُودُ وَأَنَّ عِبَادَةَ مَا سِوَاهُ بَاطِلٌ ﴿مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ وأيُّ شَهَادَةَ بَعْدَ شَهَادَةِ اللَّهِ أَعْلَى مِنْ شَهَادَةِ الرُّسُلِ؟ خُصُوصًا أُولِي الْعَزْمِ مِنْهُمْ خُصُوصًا خَلِيلَ الرَّحْمَنِ.
وَلَمَّا بَيْنَ أَنَّ أَصْنَامَهُمْ لَيْسَ لَهَا مِنْ التَّدْبِيرِ شَيْءٌ أَرَادَ أَنْ يُرِيَهُمْ بِالْفِعْلِ عَجْزَهَا وَعَدَمُ انْتِصَارِهَا وَلْيَكِيدَ كَيْدًا يَحْصُلُ بِهِ إِقْرَارُهُمْ بِذَلِكَ فَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَتَاللَّهِ لأكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ أَيُّ أَكْسِرُهَا عَلِى وَجْهِ الْكَيْدِ ﴿بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ عَنهَا إِلَى عِيدٍ مِنْ أَعْيَادِهِمْ، فَلَمَّا تَوَلُّوْا مُدَبَّرِينَ، ذَهَبَ إِلَيْهَا بِخَفْيَّةِ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout