﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ أي: تَخَيَّرَتُكَ وَاصْطَفَيْتُكَ مِنَ النَّاسِ، وَهَذِهِ أَكْبَرُ نِعْمَةٍ وَمِنَّةُ أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْهِ، تَقْتَضِي مِنَ الشُّكْرِ مَا يَلِيقُ بِهَا، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَاسِْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ أَيِّ: أَلْقَ سَمِعَكَ لِلَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ، فَإِنَّهُ حَقِيقٌ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ أَصْلُ الدَّيْنِ وَمُبْدَأَهُ، وَعِمَادُ الدَّعْوَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، ثُمَّ بَيَّنَ الَّذِي يُوَحِّيهِ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إِِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا﴾ أي: الله المُسْتَحِقُّ الأُلُوهِيَّةُ الْمُتَّصِفُ بِهَا، لِأَنَّهُ الْكَامِلُ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، الْمُنْفَرِدِ بِأَفْعَالِهِ، الَّذِي لَاَ شَرِيكَ لَهُ وَلَا مَثِيلَ وَلَا كَفْو وَلَاَ سُمِّيَ، ﴿فََاعْبُدْنِي﴾ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ، ظَاهِرُهَا وَبَاطِنُهَا، أُصُولُهَا وَفُرُوعُهَا، ثُمَّ خَصَّ الصَّلَاةَ بِالذِّكْرِ وَإِنْ كَانَتْ دَاخِلَةً فِي الْعِبَادَةِ، لِفَضْلِهَا وَشَرَفِهَا، وَتَضَمَّنُهَا عُبُودِيَّةُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالْجَوَارِحِ.
وَقَوْلُه: ﴿لِذِكْرِي﴾ اللام للتَّعْلِيلِ أَيْ: أَقِمُّ الصَّلَاَةِ لِأَجْلِ ذِكْرِكَ إِيَّايَ، لِأَنَّ ذِكْرَهُ تَعَالَى أَجَلَ الْمَقَاصِدِ، وَهُوَ عُبُودِيَّةُ الْقَلْبِ، وَبِهِ سَعَادَتُهُ، فَالْقَلْبُ الْمُعَطَّلُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، مُعَطَّلٌ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، وَقَدْ خَرَبَ كُلُّ الْخَرَابِ، فَشَرَعَ اللَّهُ لِلْعِبَادِ أَنْوَاعُ الْعِبَادَاتِ، الَّتِي الْمَقْصُودُ مِنْهَا إقَامَةُ ذِكْرِهِ، وَخُصُوصًا الصَّلَاَةَ.
قَال الله تَعالَى: ﴿اتْلُ مَا أُوَحِْيَ إِِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ أَيُّ: مَا فِيهَا مَنْ ذِكْرِ اللَّهُ أَكْبَرُ مَنْ نَهْيِهَا عَنِ الْفُحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، وَهَذَا النَّوْعُ يُقَالُ لَهُ تَوْحِيدُ الْأُلُوهِيَّةِ، وَتَوْحِيدُ الْعِبَادَةِ، فَالْأُلُوهِيَّةُ وَصْفَهُ تَعَالَى، وَالْعُبُودِيَّةِ وَصْفَ عَبْدِهِ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout