أَيْ: لَمْ نَرْسِلْ الرُّسُلَ عَبْثًا، وَلَا لِيَتَّخِذْهُمْ النَّاسُ أَرْبَابًا، وَلَا لِيَدْعُوا إلَى أَنْفُسِهِمْ، بَلْ أَرْسَلْنَاهُمْ يَدْعُونَ النَّاسَ إلَى كُلِّ خَيْرٍ، وَيَنْهَوْنَ عَنْ كُلِّ شَرٍّ، وَيُبْشِّرُونَهُمْ عَلَى امْتِثَالِ ذَلِكَ بِالثَّوَابِ الْعَاجِلِ وَالْأَجَلِ، وَيُنْذُرُونَهُمْ عَلَى مَعْصِيَةِ ذَلِكَ بِالْعِقَابِ الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ، فَقَامَتْ بِذَلِكَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَأْبَى الظَّالِمُونَ الْكَافِرُونَ، إلَّا الْمُجَادَلَةَ بِالْبَاطِلِ، لِيَدْحُضُوا بِهِ الْحَقَّ، فَسَعُوْا فِي نَصْرِ الْبَاطِلِ مَهْمَا أَمْكَنَهُمْ، وَفِي دَحْضِ الْحَقِّ وَإِبْطَالِهِ، وَاسْتَهْزَءُوا بِرُسُلِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ، وَفَرَّحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ، وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، وَيَظْهَرُ الْحَقُّ عَلَى الْبَاطِلِ ﴿بَلْ نَقْذَفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمُغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ وَمِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، أَنَّ تَقْيِيضَهُ الْمُبْطِلِينَ الْمُجَادِلِينَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ إلَى وُضُوحِ الْحَقِّ وَتَبَيَّنِ شَوَاهِدِهِ وَأَدِلَّتِهُ، وَتَبَيَّنَ الْبَاطِلُ وَفَسَادُهُ، فَبَضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الْأَشْيَاءَ.
⦗٤٨١⦘
يُخْبَرُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا أَعْظَمُ ظُلْمًا، وَلَا أَكْبَرُ جِرْمًا، مِنْ عَبْدٍ ذَكَرَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَبَيْنَ لَهُ الْحَقُّ مِنْ الْبَاطِلِ، وَالْهُدَى مِنَ الضَّلَالِ، وَخَوْفٌ وَرَهَبٍ وَرَغْبٍ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا، فَلَمْ يَتَذَكَّرْ بِمَا ذُكِرَ بِهِ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، وَنَسَى مَا قَدَّمْتْ يَدَاهُ مِنْ الذُّنُوبِ، وَلَمْ يُرَاقِبْ عَلَامَ الْغُيُوبِ، فَهَذَا أَعْظَمُ ظُلْمًا مِنْ الْمُعَرِضِ الَّذِي لَمْ تَأْتِهِ آيَاتُ اللَّهِ وَلَمْ يَذْكُرْ بِهَا، وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا، فَإِنَّهُ أَخَفُّ (١) ظُلمَا مِنْ هَذَا، لِكَوْنِ الْعَاصِي عَلَى بَصِيرَةٍ وَعِلْمَ، أَعْظَمُ مِمَّنْ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَاقِبَهُ بِسَبَبِ إعْرَاضِهِ عَنْ آيَاتِهِ، وَنِسْيَانِهِ لِذُنُوبِهِ، وَرِضَاهُ لِنَفْسِهِ، حَالَةَ الشَّرِّ مَعَ عِلْمِهِ بِهَا، أَنْ سَدَّ عَلَيْهِ أَبْوَابُ الْهِدَايَةِ بِأَنْ جُعَلَ عَلَى قَلْبِهِ أَكِنَةً، أَيْ: أُغْطِيَةً مُحْكَمَةً تَمْنَعُهُ أَنْ يَفَقَهُ الْآيَاتُ وَإِنْ سَمِعْتَهَا، فَلَيْسَ فِي إمْكَانِهَا الْفِقْهُ الَّذِي يَصِلُ إلَى الْقَلْبِ، ﴿ُوََفَِي آذََانِهِمْ وَقْرًا﴾ أَيِّ: صَمْمَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ وُصُولِ الْآيَاتِ، وَمِنْ سَمَاعِهَا عَلَى وَجْهِ الِانْتِفَاعِ وَإِذَا كَانُوا بِهَذِهِ الْحَالَةِ، فَلَيْسَ لِهِدَايَتِهِمْ سَبِيلٌ، ﴿ُوَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ لأن الَّذِي يَرْجِى أَنْ يُجِيبَ الدَّاعِي لِلْهُدَىِ مَنْ لَيْسَ عَالِمًا، وَأَمَّا هَؤُلاَءِ، الَّذِينَ أَبْصِرُوا ثُمَّ عَمُّوا، وَرَأَوْا طَرِيقَ الْحَقِّ فَتَرَكُوهُ، وَطَرِيقُ الضَّلَالِ فَسَلَكُوهُ، وَعَاقِبَهُمُ اللَّهُ بِإِقْفَالِ الْقُلُوبِ وَالطَّبْعِ عَلَيْهَا، فَلَيْسَ فِي هِدَايَتِهِمْ حِيلَةٌ وَلَا طَرِيقَ وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ التَّخْوِيفِ لِمَنْ تَرَكَ الْحَقَّ بَعْدَ عِلْمِهِ، أَنْ يُحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ، مَا هُوَ أَعْظَمُ مَرْهَبٌ وَزَاجِرٌ عَنْ ذَلِكَ.
ثُم أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ سَعَةٍ مَغْفِرَتِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَأَنَّهُ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَتُوبَ، فَيَتَغَمَّدُهُ بِرَحْمَتِهِ، وَيَشْمَلُهُ بِإِحْسَانِهِ، وَأَنَّهُ لَوْ آخَذَ (٢) الْعِبَّادُ عَلَى مَا قَدَّمْتُ أَيْدِيهُمْ مِنْ الذُّنُوبِ، لِعَجَلٍ لَهُمْ الْعَذَابَ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى حَلِيمٌ لَا يُعَجَّلُ بِالْعُقُوبَةِ، بَلْ يُمْهَلُ وَلَا يُهْمَلُ، وَالذُّنُوبُ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِ آثَارِهَا، وَإِنْ تَأَخَّرَتْ عَنْهَا مُدَّةً طَوِيلَةً، وَلِهَذَا قَالَ:
﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلا﴾ أَيُّ: لَهُمْ مَوْعِدٌ، يُجَازُونَ فِيهِ بِأَعْمَالِهِمْ، لَاَ بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ، وَلَا مَنْدُوحَةَ لَهُمْ عَنْهُ، وَلَا مُلْجَأً، وَلَا مُحِيدٌ عَنْهُ، وَهَذِهِ سُنَّتُهُ فِي الْأَوَّلِينِ وَالْآخَرِينَ، أَنْ لَا يُعَاجِلَهُمْ بِالْعِقَابِ، بَلْ يَسْتَدْعِيهِمْ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ، فَإِنْ تَابُوا وَأَنَابُوا، غُفَرَ لَهُمْ وَرَحِمَهُمْ، وَأَزَالَ عَنْهُمُ الْعِقَابُ، وَإِلَّا فَإِنْ اسْتَمِرُّوا عَلَى ظُلْمِهِمْ وَعِنَادِهُمْ، وَجَاءَ الْوَقْتُ الَّذِي جَعَلَهُ مَوْعِدًا لَهُمْ، أُنْزِلَ بِهِمْ بَأْسَهُ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ أَيُّ: بظُلمِهِمْ، لاَ بِظُلْمٍ مِنَّا ﴿ُوَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ أي: وَقْتا مُقَدَّرًا، لاَ يَتَقَدَّمُونَ عَنْهُ وَلَاَ يَتَأَخَّرُونَ.
1 (١) في ب: فإنه أشد، والسياق يدل على ما أثبته. (٢) في الأصل وأخذ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout