عَبْدُ الصَّّمِدِ بْنُ بَابِك الشَّّاعِرُ الْمُفَلَّقُ كَمَا وَصَفَهُ بِذَلِكَ الْفَيْرُوزِآبَادِيّ «١»، كَانَ مِنْ مَجَالِسِي الصَّاحِبِ بْنِ عبّادٍ، وَأَحَدُ الَّذِينَ مَدْحُوهُ، ثُمّّ رَثُوهُ لِمَّا تُوُفِّيَ «٢»، فَقَدْ أَدْرَكَهُ الرَّاغِبُ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ بِهِ وَإِنَّمَا أَدْرَكَ مَنْ اجْتَمَعَ بِهِ، وَهُوَ أَبُو سَعِيدٍ ابْنُ مِرْدَاسٍ الأَصْفَهَانِيُّ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ الرَّاغِبُ «٣»:
حدّثني أَبُو سَعِيدٍ ابْنُ مِرْدَاسٍ أَنَّّهُ قَعَدَ مَعَ جَمَاعَةٍ فِيهِمْ ابْنُ بَابِك تَحْتَ عُرَيْشٍ كَرَمَ يَشْرَبُونَ، فَأَصَابَهُمْ مَطَر، فَقَالَ ابْنُ بَابِكَ:
وشِى بَرِيّا إِلِيّ ... طيف أَلم فَحَيَّا
وَنَبَّهُتْنِي شُمُولٌ ... تَمُوتُ فِيّ وَأَحْيَا
يَا صَخْرَةَ الرَّعْدِ رَشّي ... دمع الْغُمَامُ عَلِيًّّ
فَحَبَذَا الرّّوح وَرَدًا ... وَمَنْحَنِي النُّورُ فِيّا
هَذِي سَمَاءُ مُدَامَ ... لَم تَمْشِ فِيهَا الْحَمِيّا
فَكُلّ كَرْمَ سَمَاءَ ... وكلّ نَجْمٌ ثَرِيّا
وَأَبُو مَنْصُورٍ الثَّعَالِبِيُّ وَهُوَ مِنْ مَعَاصِرِي الرَّاغِبِ الأَصْفَهَانِيِّ كَانَ قَدْ اجْتَمَعَ مَعَ ابْنِ بَابِك، كَمَا ذُكِرَ هُوَ فَقَالَ «٤»: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ عَبْدَ الصَّمَدِ بْنِ بَابِكٍ يَقُولُ: كَانَ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّلَامِيُّ الْمَخْزُومِيُّ أَشْعَرُ شُعَرَاءَ أَهْلِ الْعِرَاقِ بَعْدَ ابْنِ نَبَاتِهِ السَّّعَدِيّ.
وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ الثَّعَالِبِيُّ الرَّاغِبَ فِي الْيَتِيمَةِ، لِأَنَّهُ لَمْ تَصِلْهُ أَخْبَارُهُ، وَلِأَنَّّ الرَّاغِبَ لَمْ يَكُنْ مِنْ الشُّعَرَاءِ الْمِبَرِّّزِينِ.
وَكَانَ الرَّّاغِبُ يَحْضُرُ الْمَجَالِسُ الْأَدْبِيَةَ، كَمَا يَحْضُرُ الْمَجَالِسُ الْعِلْمِيَّةَ، وَكَانَ يُجَالِسُ كِبَارَ أَدْبَاءِ عَصْرِهِ، وَمِنْهُمْ أَبُو الْقَاسِمِ ابْنُ أَبِي الْعَلاَءِ، وَاسْمُهُ غَانِمٌ، كَانَ مِنَ الَّذِينَ جَالِسُوا الصَّاحِبُ ابْنُ عَبَّادٍ وَمَدَّحَهُ بِقَصَائِدَ عَدِيدَةَ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ الصَّّاحِبُ رِثَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ بَعْدَّةِ قَصَائِدَ «٥»، وَفِيهِ يَقُولُ الثَّعَالِبِيُّ «٦»:
شاعِر مِلء ثَوْبَهِ، مُحْسِنٌ مِلْءٍ فَمِهِ، مَرْغُوبٌ فِي دِيبَاجَةِ كَلَاَمِهِ، مُتَنَافِسٌ فِي سَحْرِ شَعْرِهِ.
فَقَدْ ذَكَرَ الرَّاغِبُ»ُ
أَنَّّ أَبَا الْقَاسِمِ بْنُ أَبِي الْعَلاَءِ أَنْشَدُ يَوْمًا شِعْرًا كَاتَبَ بِهِ رَئِيسًا، وَكُنَّّا سَمِعْنَاهُ
1 (١) القاموس المحيط: باب. (٢) انظر يتيمة الدهر ٣/ ٢٧٠. (٣) المحاضرات ٢/ ٧٠٦، وعبد الصمد بن بابك توفي سنة ٤١٠ هـ. (٤) انظر تحسين القبيح ص ٣٩. (٥) انظر يتيمة الدهر ٣/ ٢٥٦، و٣/ ٣٢٩. (٦) يتيمة الدهر ٣/ ٣٧٧. (٧) محاضرات الأدباء ١/ ٨٦.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout