قَالَ تَعَالَى: فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا
[مريم/ ١٧] والمَثَلُ عِبَارَةُ عَنْ قَوْلِ فِي شَيْءٍ يُشْبِهُ قَوْلًا فِي شَيْءٍ آخَرَ بَيْنَهُمَا مُشَابَهَةً، لِيَبِيَّّنَ أَحَدُهُمَا الْآخَرُ وَيُصَوِّّرُهُ. نَحْوُ قَوْلِهِمْ: الصَّّيفُ ضَيِّّعَتُ اللَّّبْنَ «١» فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ يُشْبِهُ قَوْلَكَ: أَهْمِلَتْ وَقْتَ الْإِمْكَانِ أَمْرِكَ. وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَا ضَرَبَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْأَمْثَالِ، فَقَالَ: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
[الحشر/ ٢١]، وفِي أُخْرَى: وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [العنكبُوت/ ٤٣] . والمََثَلُ يُقَالُ عَلِى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: بِمَعْنَى الْمَثَلِ. نَحْوُ: شِبَهَ وَشَبْهَ، وَنَقَضَ وَنَقْضَ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَقَدْ يُعَبَّّرُ بِهِمَا عَنْ وَصْفِ الشَّيْءِ «٢» . نَحْوُ قَوْلِهِ: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [الرعد/ ٣٥] . والثَّانِي: عِبَارَةُ عَنِ الْمُشَابِهَةِ لِغَيْرِهِ فِي مَعْنَى مِنْ الْمَعَانِي أَيّْ مَعْنًى كَانَ، وَهُوَ أَعَمُّّ الْأَلْفَاظُ الْمَوْضُوعَةُ لِلْمُشَابَهَةِ، وَذَلِكَ أَنَّّ النَّّدّ يُقَالُ فِيمَا يُشَارِكُ فِي الْجَوْهَرِ فَقَطْ، وَالشَّّبِهُ يُقَالُ فِيمَا يُشَارِكُ فِي الْكَيْفِيِّّةِ فَقَطْ، وَالْمُسَاوِي يُقَالُ فِيمَا يُشَارِكُ فِي الْكُمَّيِّةِ فَقَطْ، وَالشَّّكِلُ يُقَالُ فِيمَا يُشَارِكُهُ فِي الْقَدْرِ وَالْمِسَاحَةِ فَقَطْ، وَالْمَِثَْلَ عَامّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَلِهَذَا لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى نَفْيَ التَّّشَبِيهِ مِنْ كُلِّّ وَجْهٍ خَصَّّهُ بِالذَّّكَرِ فَقَالَ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى/ ١١] وأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الْكَافِ وَالْمِثْلُ فَقَدْ قِيلَ: ذَلِكَ لِتَأْكِيدِ النَّّفِي تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّّ اسْتِعْمَالُ الْمِثْلِ وَلَا الْكَافِ، فَنَفَى بِ (ليسَ) الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا. وَقِيلَ: الْمَِثْلُ هَاهُنَا هُوَ بِمَعْنَى الصِّّفَةِ، وَمَعْنَاهُ: لَيْسَ كَصِفَتُهُ صِفَةً، تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ وَإِنْ وَصَفَ بِكَثِيرٍ مِمَّّا يُوصَفُ بِهِ الْبَشَرُ فَلَيْسَ تِلْكَ الصَّّفَاتُ لَهُ عَلَى حَسَبِ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْبَشَرِ، وَقَوْله تَعَالَى: لِِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى [النحل/ ٦٠] أي: لهم الصّفاتِ الذَّّمِيمَةُ وَلَهُ الصَّّفَاتُ الْعُلَىُّ. وَقَدْ مَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ضَرْبِ الْأَمْثَالِ بِقَوْلِهِ: فََلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ [النحل/ ٧٤] ثُم نَبَّه أَنَّهُ قَدْ يَضْرِبُ لِنَفْسِهِ الْمِثَلَ، وَلَاَ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَقْتَدِيَ بِهِ، فَقَالَ: إِِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل/ ٧٤] ثمّ ضَرَبَ لِنَفْسِهِ مَثَلًا فَقَالَ: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا الآيةُ [النحل/ُّ ٧٥]، وَفِي هَذَا تَنْبِيهٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنَّ نِصْفَهُ بِصِفَةٍ مِمَّا يُوصَفُ بِهِ الْبَشَرُ إِلَّا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَقَوْلُهُ: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ الآيةُ [الجُمعَة/ ٥]، أي: هُم فِي جَهْلِهِمْ بِمَضْمُونِ حَقَائِقَ التَّّوِرَاةِ كَالْحِمَارِ فِي جَهْلِهِ بِمَا
1 (١) المثل يضرب لمن يطلب شيئا قد فوّته على نفسه. وقال المبرد: أصل المثل كان لامرأة، وإنما يضرب لكل واحد على ما جرى في الأصل، فإذا قلته للرجل فإنما معناه: أنت عندي بمنزلة التي قيل لها هذا. انظر: مجمع الأمثال ٢/ ٦٨، والمقتضب ٢/ ١٤٣. (٢) انظر ص ٧٣٢ في الحاشية.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout