وقَوْله تَعَالَى: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا
[الكهف/ ٧١] أي: مُنْكِرا، مِنْ قَوْلِهِمْ: أََمِرَ الأَمْرُ، أي: كَبُرَ وكَثُرَ كقَولهم: اسْتَفْحَلَ الْأَمْرُ.
وَقَوْلُهُ: وَأُوَلِي الْأَمْرِ [النساء/ ٥٩] قِيل:
عنى الأُمرَّاءِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّّ عَلَيْهِ الصَّلَاَةُ وَالسَّلَاَمُ.
وَقِيل: الأَئِمَّةُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ «١»، وَقِيل: الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هُمُ الْفُقَهَاءُ وَأَهْلُ الدِّينِ الْمُطِيعُونَ لِلَّهِ.
وَكُلّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ صَحِيحَةً، وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّّ أُولِيَ الْأَمْرِ الَّذِينَ بِهِمْ يَرْتَدِعُ النَّاسُ أَرْبَعَةَ:
الأَنْبِيَاءِ، وَحُكْمُهُمْ عَلَى ظَاهِرِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ وَعَلَى بَوَاطِنِهِمْ، وَالْوُلَاةِ، وَحُكْمِهِمْ عَلَى ظَاهِرِ الْكَافِّةِ دُونَ بَاطِنِهِمْ، وَالْحُكَمَاءِ، وَحُكْمُهُمْ عَلَى بَاطِنِ الْخَاصَّةِ دُونَ الظَّاهِرِ، وَالْوَعْظَةِ، وَحُكْمُهُمْ عَلَى بَوَاطِنِ الْعَامَّةِ دُونَ ظَوَاهِرِهِمَ.
أَصْلِ الأََمِْن: طُمَأْنِينَةَ النَّفْسِ وَزَوَالُ الْخَوْفِ، وَالْأََمَْنُ وَالأََمَِانَِةُ والأَمَانُ فِي الأَصْلِ مُصَادِرً، وَيَجْعَلُ الْأَمَانُ تَارَةً اسْمًا لِلْحَالَةِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْهَا الْإِنْسَانُ فِي الْأَمْنِ، وَتَارَةً اسْمًا لِمَا يُؤْمِنُ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ، نَحْوُ قَوْلهِ تَعَالَى: وََتَخُونَُوا أََمَانَاتِِكُمْ [الأنْفَال/ ٢٧]، أَي: مَا ائْتَمَنْتُمْ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: إِِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الأحزَاب/ ٧٢] قيل: هِي كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ، وَقِيلَ: الْعَدَالَةُ «٢»، وَقِيل: حُرُوفُ التَّهْجِي، وَقِيلَ: الْعَقْلُ، وَهُوَ صَحِيحٌ فَإِنَّّ الْعَقْلُ هُوَ الَّذِي بِحُصُولِهِ يَتَحَصَّلُ مَعْرِفَةُ التَّوْحِيدِ، وَتَجْرِي الْعَدَالَةِ وَتَعْلَمُ حُرُوفِ التَّهْجِي، بَلْ بِحُصُولِهِ تَعَلَّّمُ كُلِّ مَا فِي طَوْقِ الْبَشَرِ تَعَلَّّمُهُ، وَفِعْلَ مَا فِي طَوْقِهِمْ مِنْ الْجَمِيلِ فِعْلُهُ، وَبِهِ فَضّل عَلَى كَثِيرٍ مِمَّّنٍ خَلْقَهُ.
وَقَوْلُهُ: وََمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا
[آل عِمْرَانُ/ ٩٧] أَيِّ: آمِنَا مِنَ النَّارِ، وَقِيلَ: مَنْ بَلَاَيَا الدُّنْيَا الَّتِي تُصِيبُ مَنْ قَالَ فِيهِمْ: إِِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [التُّوبة/ ٥٥] .
ومنهُمْ مَنْ قَالَ: لَفْظُهُ خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ أَمْرٌ، وَقِيلَ:
يَأْمُنُ الِاصْطِلَاَمَ «٣»، وَقِيل: آمَنَ فِي حُكْمِ اللَّهِ، وَذَلِكَ كَقَوْلِكَ: هَذَا حَلَاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ، أَيْ: فِي حُكْمِ اللَّهِ.
وَالْمَعْنَى: لَا يَجِبُ أَنْ يَقْتَصَّّ مِنْهُ وَلَا يُقْتَلُ فِيهِ إِلَّا أَنْ يُخْرُجَ، وَعَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ: أََوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا [العنكبُوت/ ٦٧] . وقَالَ تَعَالَى: وَإِِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا [البقرة/ ١٢٥] . وقوله: أَمَنَةً نُعاسًا
[آل عِمْران/ ١٥٤] أيِّ: أُمْنَا، وَقِيلَ: هِيَ جَمْعٌ كَالْكَتْبَةِ.
1 (١) وهذا قول الشيعة. (٢) راجع الأقوال في هذه الآية في الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي ٦/ ٦٦٩. [.....] (٣) الاصطلام: الاستئصال، واصطلم القوم: أبيدوا.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout