لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣)
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: يَوْمُ يَفْصِلُ الرَّحْمَنُ بَيْنَ الْخَلَائِقِ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ [الدُّخَانِ: ٤٠] .
ثم أتبع ذلك تعظيما ثانيا فقال:
وَما أَدْراكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤)
أَيْ وَمَا عِلْمُكَ بِيَوْمِ الْفَصْلِ وَشِدَّتِهِ وَمَهَابَتِهِ.
ثُمَّ أَتْبَعَهُ بتهويل ثالث فقال:
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)
أَيْ لِلْمُكَذِّبِينَ بِالتَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْمَعَادِ وَبِكُلِّ مَا وَرَدَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عليهم السلام وأخبروا عنه، بقي هاهنا سُؤَالَانِ.
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: كَيْفَ وَقَعَ النَّكِرَةُ مُبْتَدَأً فِي قَوْلِهِ: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ؟ الْجَوَابُ: هُوَ فِي أَصْلِهِ مَصْدَرٌ مَنْصُوبٌ سَادٌّ مَسَدَّ فِعْلِهِ، وَلَكِنَّهُ عُدِلَ بِهِ إِلَى الرَّفْعِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى مَعْنَى ثَبَاتِ الْهَلَاكِ/ وَدَوَامِهِ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِ، وَنَحْوُهُ سَلامٌ عَلَيْكُمْ [الزمر: ٧٣] وَيَجُوزُ وَيْلًا بِالنَّصْبِ، وَلَكِنْ لَمْ يُقْرَأْ بِهِ.
السؤال الثاني: أين جوابه قَوْلِهِ: فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ؟ الْجَوَابُ: مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: التَّقْدِيرُ: إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ، إِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ، وَهَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ يَقَعُ فِي قَوْلِهِ: فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ، الثَّانِي: أَنَّ الْجَوَابَ مَحْذُوفٌ، وَالتَّقْدِيرُ فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ وَإِذَا وَإِذَا، فَحِينَئِذٍ تقع المجازاة بالأعمال وتقوم القيامة.
أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩)
اعْلَمْ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ الصُّورَةِ تَخْوِيفُ الْكُفَّارِ وَتَحْذِيرُهُمْ عَنِ الْكُفْرِ.
فَالنَّوْعُ الْأَوَّلُ: مِنَ التَّخْوِيفِ أَنَّهُ أَقْسَمَ عَلَى أَنَّ الْيَوْمَ الَّذِي يُوعَدُونَ بِهِ، وَهُوَ يَوْمُ الْفَصْلِ وَاقِعٌ ثُمَّ هَوَّلَ فَقَالَ: وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ [المرسلات: ١٤] ثُمَّ زَادَ فِي التَّهْوِيلِ فَقَالَ: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [المرسلات: ١٥] .
وَالنَّوْعُ الثَّانِي مِنَ التَّخْوِيفِ: مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ أَهْلَكَ الْكَفَرَةَ الْمُتَقَدِّمِينَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، فَإِذَا كَانَ الْكُفْرُ حَاصِلًا فِي هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَلَا بُدَّ وَأَنْ يُهْلِكَهُمْ أَيْضًا ثُمَّ قَالَ: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ كَأَنَّهُ يَقُولُ، أَمَّا الدُّنْيَا فَحَاصِلُهُمُ الْهَلَاكُ، وَأَمَّا الْآخِرَةُ فَالْعَذَابُ الشَّدِيدُ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ [الْحَجِّ: ١١] وَفِي الْآيَةِ سُؤَالَانِ الْأَوَّلُ: مَا الْمُرَادُ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ؟ الْجَوَابُ: فِيهِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout