المسألة الثالثة: قالت المعتزلة: الآية دالة على حُدُوثِ الْقُرْآنِ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُنَزَّلًا وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِالْمُحْدَثِ. الثَّانِي: أَنَّهُ وَصَفَهُ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا وَالْعَرَبِيُّ هُوَ الَّذِي حَصَلَ بِوَضْعِ الْعَرَبِ وَاصْطِلَاحِهِمْ وَمَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ مُحْدَثًا. الثَّالِثُ: أَنَّ الْآيَةَ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا/ كَانَ حُكْمًا عَرَبِيًّا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَهُ كَذَلِكَ وَوَصَفَهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مُحْدَثٌ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ كُلَّ هَذِهِ الْوُجُوهِ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَكَّبَ مِنَ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ مُحْدَثٌ وَلَا نِزَاعَ فِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
المسألة الرَّابِعَةُ: رُوِيَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَدْعُونَهُ إِلَى مِلَّةِ آبَائِهِ فَتَوَعَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مُتَابَعَتِهِمْ فِي تِلْكَ الْمَذَاهِبِ مِثْلَ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى قِبْلَتِهِمْ بَعْدَ أَنْ حَوَّلَهُ اللَّهُ عَنْهَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْخِطَابُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالْمُرَادُ أُمَّتُهُ، وَقِيلَ: بَلِ الْغَرَضُ مِنْهُ حَثُّ الرَّسُولِ عليه السلام عَلَى الْقِيَامِ بِحَقِّ الرِّسَالَةِ وَتَحْذِيرُهُ مِنْ خِلَافِهَا، وَيَتَضَمَّنُ ذَلِكَ أَيْضًا تَحْذِيرَ جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ، لِأَنَّ مَنْ هُوَ أَرْفَعُ مَنْزِلَةً إِذَا حُذِّرَ هَذَا التَّحْذِيرَ فَهُمْ أَحَقُّ بِذَلِكَ وأولى.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجًا وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ (٣٨) يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (٣٩)
اعْلَمْ أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا يَذْكُرُونَ أَنْوَاعًا مِنَ الشُّبُهَاتِ فِي إِبْطَالِ نُبُوَّتِهِ.
فَالشُّبْهَةُ الْأُولَى قَوْلُهُمْ: مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ [الْفُرْقَانِ: ٧] وَهَذِهِ الشُّبْهَةُ إِنَّمَا ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةٍ أُخْرَى.
وَالشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُمْ: الرَّسُولُ الَّذِي يُرْسِلُهُ اللَّهُ إِلَى الْخَلْقِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ الْمَلَائِكَةِ كَمَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: لَوْ مَا تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ [الْحِجْرِ: ٧] وَقَوْلِهِ: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ [الْأَنْعَامِ: ٨] .
فَأَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ هَاهُنَا بِقَوْلِهِ: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجًا وَذُرِّيَّةً يَعْنِي أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُ كَانُوا مِنْ جِنْسِ الْبَشَرِ لَا مِنْ جِنْسِ الْمَلَائِكَةِ فَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِمْ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَيْضًا مِثْلُهُ فِي حَقِّهِ.
الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: عَابُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِكَثْرَةِ الزَّوْجَاتِ وَقَالُوا: لَوْ كَانَ رَسُولًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَمَا كَانَ مُشْتَغِلًا بِأَمْرِ النِّسَاءِ بَلْ كَانَ مُعْرِضًا عَنْهُنَّ مُشْتَغِلًا بِالنُّسُكِ وَالزُّهْدِ، فَأَجَابَ اللَّهُ/ تَعَالَى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجًا وَذُرِّيَّةً وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا الْكَلَامُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا عَنِ الشُّبْهَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، فَقَدْ كَانَ لِسُلَيْمَانَ عليه السلام ثَلَاثُمِائَةِ امْرَأَةٍ مَهِيرَةٍ وَسَبْعُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ وَلِدَاوُدَ مِائَةُ امْرَأَةٍ.
وَالشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ: قَالُوا لَوْ كَانَ رَسُولًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَكَانَ أَيُّ شَيْءٍ طَلَبْنَا مِنْهُ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ أَتَى بِهِ وَلَمْ يَتَوَقَّفْ وَلَمَّا لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِرَسُولٍ، فَأَجَابَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْمُعْجِزَةَ الْوَاحِدَةَ كَافِيَةٌ فِي إِزَالَةِ الْعُذْرِ وَالْعِلَّةِ، وَفِي إِظْهَارِ الْحُجَّةِ وَالْبَيِّنَةِ، فَأَمَّا الزَّائِدُ عليها
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout