أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ فِي مَعْنَى الْخَبَرِ، «١» كَأَنَّهُ قِيلَ: لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ اسْتَغْفَرْت لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ، وَإِنَّ فِيهِ مَعْنَى الشَّرْطِ، وَذَكَرْنَا النُّكْتَةَ فِي الْمَجِيءِ بِهِ عَلَى لَفْظِ الْأَمْرِ، وَالسَّبْعُونَ جَارٍ مَجْرَى الْمِثْلِ فِي كَلَامِهِمْ لِلتَّكْثِيرِ، قَالَ عَلِىُّّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ:
لَأَصْبَحَنَّ الْعَاصِ وَابْنَ الْعَاصِى … سَبْعِينَ ألْفًا عَاقِدِى النَّوَاصِى «٢»
فإِن قُلت: كَيْفَ خَفِى عَلِى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ أَفْصَحُ الْعَرَبِ وَأَخْبَرَهُمْ بِأَسَالِيبِ الْكَلَاَمِ «٣» وَتَمْثِيلَاتِهِ، وَاَلَّذِي يُفْهَمُ مِنْ ذِكْرِ هَذَا الْعَدَدِ كَثْرَةُ الِاسْتِغْفَارِ، كَيْفَ وَقَدْ تَلَّاهُ بِقَوْلِهِ ذَلِِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا … الآيَةُ فَبَيْنَ الصَّارِفِ عَنِ الْمَغْفِرَةِ لَهُمْ حَتَّى قَالَ: «َقَدْ رَخَّصَ لِي رَبِّى فَسَأَزِيدُ عَلَى السَّبْعِينَ»ِ قُلْت: لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ خَيْلٌ بِمَا قَالَ إِظْهَارًٌا لِغَايَةِ
1 (١) . قال محمود: «قد ذكرنا أن هذا الأمر في معنى الخبر … الخ» قال أحمد: وما يدعيه الزمخشري في هذا وأمثاله من محذوف هو المقصود بالأمر وهذا واقع موقعه، كقول كثير عزة. أسيئى بنا أو أحسنى لا ملومة. كأنه يقول لها: امتحنى محلك عندي وقوة محبتي لك، وعاملينى بالاساءة والإحسان، وانظري هل يتفاوت حالى معك مسيئة أو محسنة؟ وكذلك معنى الآية اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وانظر هل يغفر لهم في حالتي الاستغفار وتركه؟ وهل يتفاوت الحالان أولا؟ قال أحمد: وقد ورد بصيغة الخبر في الآية الأخرى في قوله تعالى سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ. (٢) . لأصبحن العاصي وابن العاصي … سبعين ألفًا عاقدى النواصي مستحقبين حلق الدلاص … قد جنبوا الخيل مع القلاص آساد محل حين لا مناص لعلى بن أبى طالب رضي الله عنه في عمرو بن العاص. وصبحه: سقاء الصبوح وقت الصباح. ويروى «لأصحبن» من الصحبة ولعله تحريف. شبه إنالة المكروه بانالة المحبوب على سبيل التهكم، فهو استعارة تصريحية تهكمية. ويجوز أنه شبه الفرسان لإتيانهم صباحا بالصبوح على سبيل المكنية التهكمية. ولأصبحن: تخييل. وسبعين ألفًا: مفعول ثانى. والمراد به الكثرة. والعاقدين: جمع عاقد، والمراد: نواصي خيلهم أو أطراف عمائمهم من خلفهم أو شعور رؤوسهم. وعقد الناصية من أمارات الشجاعة والاشاحة في القتال. والحقاب: ما تلفه المرأة على وسطها، ويطلق على ذات وسطها. والحقيبة: خرج صغير خلف الراكب. والحلق- بالكسر-: جمع حلقة. والدلاص: الدرع الملساء المضيئة، يوصف به الواحد والجمع. فالمعنى: أنهم لابسون الدروع. أولا شيء في حقائبهم غيرها. والقلاص فتيات الإبل: أى جمعوا بين النوعين، وجعلهم كآساد المحل، أى الجدب، ليفيد أنهم جياع وعطاش إلى لحوم الأعداء ودمائهم، وحق اسم «لا» أن يبنى على الفتح، فيجوز أنه كسره القافية. والأوجه أنه الاسم بمعنى غير كما في الصحاح، أو حين غير مناص، أو بنى على الكسر لنية الاضاقة. وشبهه بنزال، أو هو مجرور بمن الاستغراقية مقدرة كما مر في «ولات أوان» ويجوز- على بعد- أن يكون في الكلام مضاف محذوف، أى لا حين لا وقت مناص، أى تأخر عن الحرب، ويمكن أن «لا» زائدة بين المتضايفين، كافى «بثرلا حور سرى» أى حين مناص الفرسان وفرارهم. (٣) . عاد كلامه. قال: فان قلت كيف خفى على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أفصح من نطق بالضاد … الخ» قال أحمد: وقد أنكر القاضي رضي الله عنه حديث الاستغفار ولم يصححه، وتعالى قوم في قبوله حتى إنهم اتخذوه عمدة في مفهوم المخالفة، وبنوه على أنه عليه السلام فهم من تحديد نفى الغفران بالسبعين ثبوت الغفران بالزائد عليه، وذلك سبب إنكار القاضي عليهم.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout