دُونَ مَنْ قَبْلَهِمْ؟ قُلْت: لَمْ يُقْصِرْهُ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ غَلَبَ الْمُخَاطَبِينَ عَلَى الْغَائِبِينَ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى عَلَى إرَادَتِهِمْ جَمِيعًا. فَانْ قُلْت: فَهَلَّا قِيلَ تَعْبُدُونَ لِأَجْلِ اعْبُدُوا؟ «١» أَوْ اتَّقُوا لِمَكَانٍ تَتَّقُونُ لِيَتَجَاوَبَ طَرَفًا النَّظْمَ. قُلْت: لَيْسَتْ التَّقْوَى غَيْرَ الْعِبَادَةِ حَتَّى يُؤَدَّّى ذَلِكَ إلَى تَنَافُرِ النَّظْمِ.
وَإِنَّمَا التَّقْوَى قُصَارَى أَمْرِ الْعَابِدِ وَمُنْتَهَى جَهْدِهِ. فَإِذَا قَالَ: (اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ) للاسْتِيلَاءِ عَلى أَقْصَى غَايَاتِ الْعِبَادَةِ كَانَ أَبْعَثُ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَأَشَدِّّ إِلْزَامًا لَهَا، وَأَثْبَتَ لَهَا فِي النُّفُوسِ. وَنَحْوِهِ أَنْ تَقُولَ لِعَبْدِكَ: احْمِلْ خَرِيطَةَ الْكُتُبِ، فَمَا مَلَكْتُكَ يَمِينَى إِلَّاَّ لِجَرٍّّ الْأَثْقَالِ. وَلَوْ قُلْت: لِحَمْلِ خَرَائِطِ الْكُتُبِ لَمْ يَقَعْ مِنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ الْمُوقِعَ.
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)
قدّم سَبْحَانَهُ مِنْ مُوجِبَاتِ عِبَادَتِهِ وَمُلْزِمَاتِ حَقِّ الشُّكْرِ لَهُ خَلْقَهُمْ أَحْيَاءُ قَادِرَيْنَ أَوَّّلًا لِأَنَّهُ سَابِقَةٌ أُصُولِ النِّعَمِ وَمُقَدَّمَتِهَا، وَالسَّبَبِ فِي التَّمَكُّنِ مِنْ الْعِبَادَةِ وَالشُّكْرِ وَغَيْرِهِمَا، ثُمَّ خَلَقَ الأَرْضَ الَّتِي هِيَ مَكَانَهُمْ وَمُسْتَقِرَّّهُمْ الَّذِي لَا بُدَّّ لَهُمْ مِنْهُ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ عَرْصَةِ الْمَسْكَنِ وَمُتَقَلِّبِهِ وَمُفْتَرِشِهِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاءَ الَّتِي هِيَ كَالْقَبَّةِ الْمَضْرُوبَةِ وَالْخِيْمَةِ الْمُطَنِبَةِ عَلَى هَذَا الْقَرَارِ، ثُمَّ مَا سِوَّاهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ شِبَهِ عَقْدَ النِّكَاحِ بَيْنَ الْمُقِلَّةِ وَالْمَظِلَّةِ بِإِنْزَالِ الْمَاءِ مِنْهَا عَلَيْهَا. وَالْإِخْرَاجُ بِهِ مِنْ بَطْنِهَا- أَشْبَاهُ النَّسْلَ الْمُنْتَجَ مِنَ الْحَيَوَانِ- مِنْ أَلْوَانِ الثِّمَارِ رِزْقًا لِبَنِى آدَمَ، لِيَكُونَ لَهُمْ ذَلِكَ مُعْتَبَرًا: وَمُتَسَلِّقًا إِلَى النَّظَرِ الْمُوَصِلِ إلَى التَّوْحِيدِ وَالِاعْتِرَافِ وَنِعْمَةٌ يَتَعَرَّفُونَهَا فَيُقَابِلُونَهَا بِلَازِمِ الشُّكْرِ، وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ أَنْفُسِهِمْ وَخَلْقَ مَا فَوْقَهُمْ وَتَحْتَهُمْ، وَأَنَّ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ كُلِّهَا لَا يَقْدِرُ عَلَى إيجَادِ شَيْءٍ مِنْهَا، فَيَتَيَقَّنُوا عِنْدَ ذَلِكَ أَنْ لَا بُدَّّ لَهَا مِنْ خَالِقٍ لَيْسَ كَمِثْلِهَا، حَتَّى لَا يَجْعَلُوا الْمَخْلُوقَاتِ لَهُ أَنْدَادًا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهَا لَا تَقْدِرُ عَلَى نَحْوِ مَا هُوَ عَلَيْهِ قَادِرٌ. وَالْمَوْصُولُ مَعَ صِلَتِهِ إمّْا أَنْ يَكُونَ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ وَصْفًا كَاَلَّذِي خَلَقَكُمْ، أَوْ عَلَى الْمَدْحِ وَالتَّعْظِيمِ. وَإِمّْا أَنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلَى الِابْتِدَاءِ وَفِيهِ مَا فِي النَّصْبِ مِنْ الْمَدْحِ. وَقَرَأَ يَزِيدُ الشَّامِي: بِسَاطًا. وَقَرَأَ
1 (١) . قال محمود رحمه الله: «فان قلت فهلا قيل تعبدون … الخ»؟ قال أحمد رحمه الله: كلام حسن إلا قوله خلقكم للاستيلاء على أقصى غاية العبادة فانه مفرع على تلك النزغة المتقدمة آنفا. والعبارة المحررة في ذلك على قاعدة السنة أن يقال: اعبدوا ربكم الذي خلقكم على حالة من حقكم معها أن تستولوا على أقصى غاية العبادة وهي التقوى لما ركب فيكم من العقول، وبينه لكم من البواعث على تقواه، فكان جديرا بكم أن لا تدعوا من جهدكم في التقوى شيئا.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout