وَقَالَ اللَّه تَعَالَى: (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى)، (لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ) . ألا تَرِى إِلَى قَوْله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها) . وَقَدْ جَاءَتْ عَلَى سَبِيلِ الْإِطْمَاعِ فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَلَكِنْ لِأَنَّهُ إطْمَاعٌ مِنْ كَرِيمٍ رَحِيمٍ، إِذَا أَطْمَعَ فِعْلَ مَا يَطْمَعُ فِيهِ لَا مَحَالَةَ، لَجَرَى إطْمَاعُهُ مَجْرًى وَعَدَهُ الْمَحْتُومُ وَفَاؤُهُ بِهِ. قَالَ مَنْ قَالَ: إِنَّ «َلْعَلَ»َ بِمَعْنَى «َكَى»ً، وَ«َلْعَلَ»ِ لَا تَكُونُ بِمَعْنَى «َكَى»ً، وَلَكِنَّ الْحَقِيقَةَ مَا أُلْقَيْتُ إِلَيْكَ. وَأَيْضًا فَمِنْ دَيدُنِ الْمُلُوكِ وَمَا عَلَيْهِ أَوْضَاعُ أَمْرِهِمْ وَرَسُومُهُمْ أَنْ يَقْتَصِرُوا فِي مَوَاعِيدِهِمْ الَّتِي يُوطِنُونَ أَنْفُسَهُمْ عَلَى إنْجَازِهَا عَلَى أَنْ يَقُولُوا: عَسَى، وَلَعَلَّ، وَنَحْوِهِمَا مِنْ الْكَلِمَاتِ أَوْ يُخِيلُوا إخَالَةً. أَوْ يَظْفَرُ مِنْهُمْ بِالرَّمْزَةِ أَوْ الِابْتِسَامَةِ أَوْ النَّظْرَةِ الْحَلْوَةَ، فَإِذَا عَثَرَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مِنْهُمْ، لَمْ يَبْقَ لِلطَّالِبِ مَا عِنْدَهُمْ شَكَّ فِي النِّجَاحِ وَالْفَوْزِ بِالْمَطْلُوبِ. فَعَلَى مِثْلِهِ وَرَدَّ كَلَامِ مَالِكِ الْمُلُوكِ ذِى الْعِزِّ وَالْكِبْرِيَاءِ. أَوْ يَجِيءُ عَلَى طَرِيقِ الْإِطْمَاعِ دُونَ التَّحْقِيقِ لِئَلَّا يَتْكِلَ الْعِبَادُ، كَقَوْلِهِ: (يَا أََيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا، عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ) . فان قُلت: ف «َلْعَلْ»ِ الَّتِي فِي الْآيَةِ مَا مَعْنَاهَا وَمَا مَوْقِعُهَا؟ قُلْت: لَيْسَتْ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فِي شَيْءٍ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: (خَلَقَكُمْ)، (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، لا يَجُوزُ أَنْ يَحْمَلُ عَلَى رَجَاءِ اللََّّه تَقْوَاهُمْ لِأَنَّ الرَّجَاءَ لَا يَجُوزُ عَلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ: وَحَمْلِهُ عَلَى أَنْ يُخْلِقَهُمْ رَاجِينَ لِلتَّقْوَى لَيْسَ بِسَدِيدٍ أَيْضًا. وَلَكِنْ «َلْعَلَ»َ وَاقِعَةٌ فِي الْآيَةِ مَوْقِعَ الْمَجَازِ «َ١» لَا الْحَقِيقَةَ، لِأَنَّ اللََّّه عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ عِبَادَهُ لِيَتَعَبَّدَهُمْ بِالتَّكْلِيفِ، وَرَكِبَ فِيهِمْ الْعُقُولُ وَالشَّهَوَاتُ، وَأَزَاحَ الْعِلَّةَ فِي أَقْدَارِهِمْ وَتَمْكِينِهِمْ وَهَدَاهُمُ النَّجْدَيْنِ، وَوَضِعَ فِي أَيْدِيهِمْ زَمَامَ الِاخْتِيَارِ، وَأَرَادَ مِنْهُمْ الْخَيْرَ وَالتَّقْوَى «َ٢» . فَهُمْ فِي صُورَةِ الْمَرْجُوّ مِنْهُمْ أَنْ يَتَّقُوا لِيَتَرَجَّحَ أَمْرُهُمْ- وَهُمْ مُخْتَارُونَ بَيْنَ الطَّاعَةِ وَالْعِصْيَانِ- كَمَا تَرَجَّحْتُ حَالُ الْمُرْتَجَى بَيْنَ أَنْ يَفْعَلَ وَأَنْ لَا يَفْعَلَ، وَمِصْدَاقُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) وإِنَّمَا يَبْلُو وَيُخْتَبَرُ مَنْ تَخْفَى عَلَيْهِ الْعَوَاقِبُ، وَلَكِنْ شَبَّهَ بِالِاخْتِبَارِ بِنَاءً أَمْرِهِمْ عَلَى الِاخْتِيَارِ. فَإِنْ قُلْت: كَمَا خَلَقَ الْمُخَاطَبِينَ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ، فَكَذَلِكَ خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ قِبَلِهِمْ لِذَلِكَ، فَلَمْ قَصَّرَهُ عَلَيْهِمُ
1 (١) . قال محمود رحمه الله: «لعل واقعة في الآية موقع المجاز … الخ» . قال أحمد رحمه الله: كلام سديد إلا قوله: وأراد منهم التقوى والخير فانه كلام أبرزه على قاعدة القدرية. والصحيح والسنة أن اللَّه تعالى أراد من كل أحد ما وقع منه من خير وغيره، ولكن طلب الخير والتقوى منهم أجمعين. والطلب والأمر عند أهل السنة مباين للارادة، ألهمنا اللَّه صواب القول وسداده. (٢) . قوله «وأراد منهم الخير والتقوى» مبنى على مذهب المعتزلة أنه تعالى لا يريد إلا الخير وإن وقع خلافه. ومذهب أهل السنة أنه يريد الخير والشر، وكل ما أراده يقع، لإجماع السلف على أنه ما شاء اللَّه كان وما لم يشأ لم يكن. (ع)
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout