تَسَوَّخُ فِيهَا الْأَرْجَلُ، وَلَا يُمْشَى فِيهَا إلَّا بِتَعَبٍ وَمَشَقَّةً. وَكَانَتْ الْعِيرُ وَرَاءَ ظُهُورِ الْعَدُوِّّ مَعَ كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، فَكَانَتْ الْحِمَايَةُ دُونَهَا، تُضَاعُفُ حَمّيَّتَهُمْ وَتُشْحَذُ فِي الْمُقَاتَلَةِ عَنْهَا نِيَّاتُهُمْ. وَلِهَذَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَخْرُجُ إلَى الْحَرْبِ بِظَعْنِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، لِيَبْعَثَهُمْ الذَّبُّ عَنْ الْحَرِيمِ وَالْغَيْرَةِ عَلَى الْحَرَمِ عَلَى بِذَلِكَ جَهِيدَاهُمْ فِي الْقِتَالِ، وَأَنْ لَا يَتْرُكُوا وَرَاءَهُمْ مَا يُحَدُّّثُونَ أَنْفُسِهِمْ بِالِانْحِيَازِ إلَيْهِ، فَيَجْمَعُ ذَلِكَ قُلُوبُهُمْ وَيُضْبِطُ هَمَمُّهُمْ وَيُوطَنُ نُفُوسَهُمْ عَلَى أَنْ لَا يَبْرَحُوا مَوَاطِنَهُمْ وَلَا يَخْلُوا مَرَاكِزَهُمْ، وَيَبْذَلُوا مُنْتَهَى نَجْدَتِهُمْ وَقُصَارَى شَدَّّتُهِمَ. وَفِيهِ تَصْوِيرُ مَا دَبَّرَ سُبْحَانَهُ مِنْ أَمْرِ وَقْعَةٍ بَدْرً، لِيُقْضَى أَمْرًًا كَانَ مَفْعُولًا مِنْ إعْزَازِ دَيْنِهِ وَإِعْلَاءِ كَلِمَتِهِ حِينَ وَعَدَ الْمُسْلِمِينَ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ مُبْهَمَةً غَيْرُ مُبَيِّنَةٍ، حَتَّى خَرَجُوا لِيَأْخُذُوا الْغَيْرَ رَاغِبِينِ فِي الْخُرُوجِ، وَشَخْصٍ بِقُرَيْشٍ «َ١» مَرْعُوبَيْنِ مِمَّا بَلَغَهُمْ مِنْ تَعَرَّضِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَمْوَالِهِمْ، حَتَّى نَفَرُوا لِيَمْنَعُوا عَيْرَهُمْ، وَسَبَبُ الْأَسْبَابِ حَتَّى أَنَاخَ هَؤُلَاءِ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهَؤُلَاءِ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَوَرَاءَهُمْ الْعِيرُ يُحَامُونَ عَلَيْهَا، حَتَّى قَامَتْ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ وَكَانَ مَا كَانَ وََلَوْ تَِوَاعَدْتُمْ أَنْتُمْ وَأَهْلُ مَكَّةَ وَتَوَاضَعْتُمْ بَيْنَكُمْ عَلَى مَوْعِدٍ تَلْتَقُونَ فِيهِ لِلْقِتَالِ، لِخَالِفَ بَعْضُكُمْ بَعْضًَا فَثَبَطَكُمْ قُلْتُكُمْ وَكَثْرَتُهُمْ عَنْ الْوَفَاءِ بِالْمَوَعِدِ، وَثَبَطِهُمْ مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ تَهَيَّبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَتَّفِقْ لَكُمْ مِنْ التَّلَاقِي فِي مَا وَفَّقَهُ اللَّهُ وَسَبَبٌ لَهُ لِِيَقْضِيَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أَى لِيُقْضَى أَمْرًَا كَانَ وَاجِبًٌا أَنْ يَفْعَلَ، وَهُوَ نَصْرُ أَوْلِيَائِهِ وَقَهْرِ أَعْدَائِهِ دُبُرَ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ لَِيََهْلِكَ بدل مِنْهُ. وَاسْتُعِيرُ الْهَلَاَكَ وَالْحَيَاةَ لِلْكُفْرِ وَالْإِسْلَاَمِ، أَىْ لِيَصْدِرَ كُفْرَ مِنْ كَفَرَ عَنْ وُضُوحِ بَيِّنَةٍ، لَا عَنْ مُخَالَجَةِ شُبْهَةٍ، حَتَّى لَا تَبْقَى لَهُ عَلَى اللَّهِ حُجَّةً، وَيُصْدُرُ إِسْلَامُ مَنْ أَسْلَمَ أَيْضًٍا عَنْ يَقِينٍ وَعُلِمَ بِأَنَّهُ دَيْنُ الْحَقِّ الَّذِي يَجِبُ الدُّخُولُ فِيهِ وَالتَّمَسُّكُ بِهِ وَذَلِكَ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ مِنْ الْآيَاتِ الْغَرِّّ الْمُحَجَّلَةِ الَّتِي مِنْ كُفَرٍ بَعْدَهَا كَانَ مُكَابِرًًا لِنَفْسِهِ مُغَالِطًًا لَهَا.
وَقُرِئَ: لِيَهْلِكَ، بِفَتْحِ اللَّامِ. وَحُيِيَ، بِإِظْهَارِ التَّضْعِيفِ لَِسَمِِيعٌ عَلِيمٌ يَعْلِمُ كَيْفَ يُدَبِّرُ أُمُورَكُمْ وَيُسَوِّى مَصَالِحُكُمْ. أَوْ لِسَمِيعٍ عَلِيمٍ بِكُفْرٍ مِنْ كُفَرٍ وَعِقَابِهِ، وَبِإِيمَانِ مِنْ آمَنَ وَثَوَابِهُ.
إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤٣)
إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ نصْبه بإِضْمَارِ اذْكَر. أَوْ هُوَ بَدَلٌ ثَانٍ مِنْ يَوْمِ الْفُرْقَانِ، أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ لَِسَمِيعٌ عَلِيمٌ أَىُّ يَعْلَمُ الْمَصَالِحَ إِذْ يُقَلِّلُهُمْ فِي عَيْنِك فَِي مَنَامِِكَ فِي رُؤْيَاكَ. وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَرَاهُ إِيَّاهُمْ فِي رُؤْيَاهُ قَلِيلًاً، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ أَصْحَابُهُ فَكَانَ تَثْبِيتًُا لَهُمْ وَتَشْجِيعًًا عَلَى عَدُوِّهِمْ. وَعَنْ
1 (١) . قوله «وشخص بقريش» يقال للرجل إذا ورد عليه أمرا أقلقه: شخص به. اه صحاح. (ع)
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout